لا أحد ينكر دور التكنولوجيا ومشتقاتها وقد أمست واحدة من أبرز العوامل المؤثرة في عملية التنشئة الاجتماعية والنفسية للأبناء، وليس أدل على ذلك من شاب لا يتجاوز عمره 15 عاماً يعيش منغلقاً على ذاته في غرفة خالية إلا من جهاز الكمبيوتر والإنترنت..

وبالتأكيد «البلاك بيرك» يملأ راحة يده. صورة لم تعد ضيّقة في زمن تداخلت فيه المؤثرات وأصبح الشباب متغيرون في مجتمع لا تُسمع فيه سوى نغمات إلكترونية.يونس علي يؤكد بأسف: أن جيل الشباب أصبح منساقاً وراء التقنيات بشكل غير مسبوق، الجميع يجد في جهاز صغير يحمله في يده، عالماً لا ينتهي. وفي الخارج مراهقون ومراهقات لا يعرفون خطوطاً حمراء، أما «البلاك بيري» فقد أمسى رفيقاً لا غنى عنه، وهو في الواقع يأخذ الشباب إلى اتجاهات خطيرة.. لا البيت ولا المدرسة ولا المجتمع يمكن لهم أن يقفوا في وجه تلك الآلة الصغيرة.خليفة السويدي طالب ثانوي: يرى أن كل شيء له اتجاهان في الاستخدام تماماً كالسكين، والحاصل أن جيل اليوم منجرف بصورة غير منطقية وراء مبتكرات تقنية لم تعد آمنة.. الشباب هذه الأيام لا يعرفون سوى «البلاك بيري» ولا ينصاعون إلا لرغباتهم السوداوية، وتلك التقنية باتت تشكل خطورة اجتماعية على الجميع.

حالة توتر

المشكلة في نظر خليفة أن الثقافة المجتمعية السائدة لم تعد تتقبل فكرة البقاء دون «البلاك بيري»، وهو ما حصل معه شخصياً، وحينما اشترى جهاز «البلاك بيري» أمسى أسير الجهاز وحسب.

ولم يعد بمقدوره أن يبقى جزءاً فاعلاً في البيت، حيث أن الشخص يجد نفسه في حالة توتر دائم ينتظر الرسائل دون سبب وينتقل إلى عوالم أخرى، لذلك فهو على يقين أن لـ «البلاك بيري» خطورة مفرطة على جيل اليوم.

الدكتور محمد صلاحات ـ أستاذ تقنية المعلومات بجامعة عجمان يعتبر أن المشكلة تكمن في أن المجتمع بأسره يلهث على الدوام خلف أي جديد يصل إلى السوق.

وتلك الظاهرة يرافقها بالتأكيد واقع مجتمعي سلبي من حيث سوء استخدام التقنية، موضحاً أن المجتمع العربي عموماً يشكو من ثقافة حب التعارف دون سبب، وهو ما ينطبق على استخدام التقنية لا سيما في إزعاج الآخرين وطرق خصوصياتهم.

الأمر الملاحظ بنظر صلاحات هو أن السلبية تطغى سريعاً على المجتمع، حيث أن طلاب المدارس والجامعات يسيئون إلى حد بعيد استخدام التقنية تماماً كما وجدت، والسبب مرده إلى ضعف الثقافة المجتمعية والمعرفية.

والدليل على ذلك أنك تجد آلاف الشباب يملكون «البلاك بيري» فيما أغراضهم منه لا تتعدى الاتصال وحسب، وذلك الجهاز وجد ليخدم شريحة مهنية بالأساس، وليس ليظل أداة مؤذية في أيدي الشباب والمراهقين.

شريك الأسرة

الدكتورة علياء إبراهيم ـ المستشارة التربوية والأسرية والخبيرة في التنمية الأسرية: تؤكد حقيقة لا يمكن التغاضي عنها، وهي أن عالم التكنولوجيا أصبح شريكاً أساسياً في عملية التنشئة الاجتماعية للأجيال الحالية، ولكن يختلف مدى تأثر الأبناء بهذا الشريك بحسب وعي الاسرة بايجابياته وسلبياته، وكلما انسحبت الأسرة من ميدان التنشئة الاجتماعية ازدادت فرص تأثر الأبناء بهذا الشريك الجديد.

وبين التنقل بين الفضائيات عبر التلفاز، والتجول بين المواقع عبر شبكة الإنترنت، والاستخدام المتواصل للهاتف النقال، يعيش الصغار والكبار في دوامة من الاستخدام السلبي لهذه التكنولوجيا، كما توضح الدكتورة علياء.

حيث أن الاستخدام المتواصل لهذه الأجهزة مع سرعة تطورها أوجد نوعاً من العزلة لدى المراهقين والشباب الذين انغلقوا على ذواتهم مع شاشات صماء تمدهم بالثمين والبخس، فأصبح الحوار شبه منعدم بين أفراد الاسرة.

ممارسات شاذة

بنظر الخبيرة التربوية، فإن الكمبيوتر يختلف عن التلفاز لكونه جهازا تفاعليا مع الشخص الذي يجلس أمامه لذلك فهو أخطر، والمؤكد أن حوادث كثيرة وقعت ولا تزال تواجه المتصفحين لمواقع الإنترنت، منها انحرافات جنسية وممارسات شاذة من خلال بعض المواقع التي تمرر أفكاراً متطرفة تتعارض مع ثقافة مجتمعاتنا العربية.

مشيرة إلى أن الوعي الأسري يبدو غائباً عن ممارسات الأبناء، فالآباء تركوا أبناءهم أمام تلك الشاشات مستندين على عامل خطير وهو ثقافة تربية ماما الخادمة وبابا السائق للأبناء المنتشرة في مجتمعاتنا.

وتؤكد الدكتورة علياء أن دراسة علمية بريطانية حول الإفراط في الدخول إلى شبكة الانترنت بوصفها الطريق إلى الاكتئاب، ذكرت أن الأشخاص الذين يقضون وقتاً طويلاً في تصفح مواقع الانترنت هم أكثر عرضة للاكتئاب، وتعتبر هذه الدراسة الأولى من نوعها في الدول الغربية حول العلاقة بين الإنترنت والاكتئاب.

وكشفت الدراسة عن وجود أدلة قوية تفيد بأن الأشخاص الذين يعكفون على الإطلاع على مواقع الإنترنت تنمو لديهم عادات سلوكية قهرية تدفعهم إلى إحلال غرفة المحادثة «الشات» محل الحياة الاجتماعية الطبيعية التي تتميز بالتفاعل والتواصل مع الآخرين، فيما الإفراط في الدخول على مواقع الإنترنت يخلق إضطرابات عقلية وسلوكية لعل من أبرزها الاكتئاب والإدمان.

التباهي والإسراف

وفي جانب الهاتف المحمول «الموبايل» الذي أصبح بمستوى الكمبيوتر من حيث الوظائف التي يتمتع بها، فقد ساهم في انتشاره وبكثرة ما نسميه عصر ثقافة المظهر والتباهي والإسراف والدلال الزائد للأبناء كما توضح الخبيرة التربوية، فعبر شاشات الموبايل اللا محدودة أصبح من السهل أن تصل إلى عيون الأطفال مشاهد لا أخلاقية فتغتال براءتهم من دون رقيب.

وتوضح الدكتورة علياء أن الهواتف النقالة أمست في أيدي المراهقين والشباب وسيلة للتهديد ونشر الفضائح والمناظر الإباحية في ظل ثورة البلوتوث التي لاقت رواجاً كبيراً في الوسط الشبابي، وفي الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة تصوير التجمعات النسائية من خلال الهواتف المحمولة ثم استخدام الصور في التهديد والابتزاز.

وقد ذكرت إحدى المواقع الإلكترونية أن تنزيل مقطع محاولة اغتصاب تم تحميله 233 ألفاً و327 مرة، وأن مقطع منظر فاضح تم تحميله 214 ألفاً و415 مرة، وذلك مؤشر خطير جداً.

وذكرت الدكتورة علياء إبراهيم أن الاستخدام السلبي للموبايل ساهم في وقوع بعض مظاهر الانحراف، منها وصول الشباب إلى منازل الفتيات في ظل غياب الأهل، والمسؤولية هنا تقع على التربية الأسرية والمدرسية التي تنعدم فيها لغة الحوار والتفاهم، ما يدفع بأبنائنا إلى إشباع احتياجاتهم العاطفية وتفريغ شهواتهم وغرائزهم لفظياً أو جسدياً بأساليب مختلفة.ا

لتقنيات.. نجاح أكاديمي ووقوع في المحظور

في ضوء علاقة التشبث الشبابي بالإنترنت والتقنيات، وما يتبع ذلك من ضعف وإهمال للعلاقات الاجتماعية المختلفة، فإن المسؤولية كاملة تقع على عاتق أولياء الأمور والمؤسسات التربوية والتعليمية، حسب الدكتورة علياء إبراهيم.

وهنا يتعين وضع حدود وضوابط منطقية لتلافي وقوع الأبناء في المحظور، لا سيما أن المدارس والجامعات ربما تكون قد نجحت في تطوير العملية التعليمية باستخدام التكنولوجيا، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في استغلال شغف الطلاب بهذه الأدوات لطرح أفكار إبداعية واستغلالها بشكل إيجابي.

دبي ـ عنان كتانة