قنا.. قرية بكر استقرت بين أحضان الصخور الجبلية في خصب منذ عشرات السنين، رافضة التخلي عن هيئتها الأولية وعن مطلها الأبدي على بحر لازوردي، يستكين لصياديها حين يهمون إلى قواربهم في رحلة يومية طلبا للرزق. قنا.. كما هي منذ الأمس هي حتى اليوم، على هيئتها وقد أبت أن تخلع ثوبها العريق وأن تهجر موقعها القديم، تجاهلت مغريات الرفاه، وكثافة موارد العصر، فأبقت كيانها كما هو حيث تنام راضية على مد رقيق، وتصحو على جزر أليف..
إذ تنحسر مياه البحر على إثر حركتها الأزلية المنتظمة مفسحة طريقا جافا للعبور الراجل نحو الجبال، أو نحو البر البعيد في مرات نادرة وقليلة، لا تلبث أن تعود مسرعة لموطنها الكامن بين البساطة والقناعة المشمولة بخمرية الجبل الدافئ وزرقة البحر الواهب. قرية.. لا تزال على عهد الاكتفاء الذاتي والاعتماد على موارد الطبيعة المتيسرة، عبر قوارب بنتها السواعد السمراء بإيمانها العميق وجريد نخلها العتيق. وها هي هنا إذ تمتع بطاقتين..
المياه العذبة الممدودة، والطاقة الكهربائية الموصولة، بينما تتجاهل ما عداهما من دعوات التجديد وآليات التشييد المزمجرة على رأس الطبيعة المطمئنة، فتبقى مخبوءة بين الجبال والبحر بعيدا عن ملوثات السمع والبصر والذوق.
فاطمة الهديدي
