طفلتان بريئتان.. وأب «مطوّع»، ودراسة مسائية، وفاعلة خير، وحق مهضوم، وحكاية تفتحت على أيدٍ لا تعترف بالإصرار والوصول. ففي ذلك المركز المسائي المختص بتعليم الكبار تتعاظم الحكايات وتتفوق على مختلف الإعاقات، ما دام في العمر بقية.

شقيقتان من إحدى الجنسيات الآسيوية، تعيشان في دبي ضمن عائلة «مخنوقة» قسراً عن أريج الحياة وبهائها، والدهما يعمل «إماماً» في أحد المساجد، وقد ارتضى لأطفاله الصغار البقاء لأعوام في عزلة، قبل أن يسوق القدر إليهم واحداً من أبناء الخير.

أحد الجيران تعرّف إلى تلك العائلة في رحاب المسجد، فوجد بضعة صغار وأباً وأماً يعيشون في مكان لا يندرج تحت مسمى البيوت، أخذته الرأفة بهم فنقلهم إلى زاوية في ساحة بيته «الكراج»، بعد أن أحاله إلى ما يشبه البيت. وبحكم اقترابه من تلك العائلة فقد أدرك أن الأبناء لم يخرجوا إلى الحياة بعد، وأنهم يعيشون في قبضة «تزمت» أبيهم «المطوع».

عند هذا الحد أخذت الحكاية منحى آخر، فالجارة تعمل معلمة في مركز مسائي لتعليم الكبار، دفعها الواجب التربوي إلى أن تجد لهاتين الفتاتين اللتين تجاوزتا عمر المدرسة مقعداً في ذلك المكان، وعلى الرغم من عدم استيفاء الشروط، إلا أن إدارة المركز قبلت تسجيلهما كحالة إنسانية أملاً في أن تمنحهما شيئاً من حقهما المهدور قسراً.

أخيراً وجدت الطفلتان متسعاً من الحياة في ذلك المركز.. للوهلة الأولى لم يكن الأمر كما يتوقع البعض، فالفتاتان لم تألفا على ما يبدو العنصر البشري من قبل، تراهما تتحركان في كل اتجاه ولا تعرفان الهدوء كأنهما نزلتا من كوكب آخر، مهلاً.. فهما لم تتعاملاً سابقاً مع البشر.. ذلك كان لسان حال المعلمات في تعاملهن مع الفتاتين.

أدرك جميع من في المركز صعوبة التعامل مع الفتاتين، وهو ما زاد من حجم الإصرار لديهم في المواصلة وتحدي المعوقات للخروج بهن إلى بر الأمان. ويوماً بعد يوم وجدت المعلمات تجاوباً بريئاً منهما، وبعد مضي شهور من «الترويض» استقرت الفتاتان على مقاعد الدراسة، وبدأتا في الاستجابة التربوية والتعليمية.

العاملات في المركز اعترفن بصعوبة مطلقة في التعامل مع الفتاتين، على الرغم من أن عمريهما لم يتجاوز العشرة أعوام بعد، إلا أن المشكلة كما أشارت مديرة المركز تكمن في أنهما ربما لم تخرجا من البيت منذ الولادة، ولم تتعرفا إلى محيطهما كما هو حال الصغار في كل مكان. المسؤولية هنا على عاتق الأب الذي لم يدرك خطورة المستقبل الذي ينتظر أبناءه، وإن كانت الظروف المادية والاجتماعية تلقي بظلالها على تلك الأسرة.

الطفلتان الصغيرتان أفاقتا أخيراً على واقع أفضل، فهما تواظبان على الحضور إلى المركز مساء كل يوم، أملاً في التنقيب عن مكنونات هذه الحياة التي ظلت عصية على الإدراك طيلة سنوات عمرهما الماضية، وإلى الآن تسجل الطفلتان تفوقاً لم يكن متوقعاً.المعلمات في المركز المسائي أكدن أن الفتاتين بدأتا في حفظ القرآن الكريم، بعد أن تعلمتا القراءة والكتابة، وهما الآن تسيران في اتجاه الخلاص من العتمة إلى النور.

مفارقة تبدو مثيرة، فإحدى الفتاتين تكتب وتقرأ اللغة العربية بسلاسة مطلقة، والأكثر غرابة أن خطها الكتابي يفوق جماله خطوط كثير من طلبة الثانوية، كل ذلك ولم يمضِ على وجودهما في المركز سوى عامين فقط.

دبي ـ عنان كتانة