لا أنكر أن هناك علاقة خفية تربطني بهذا المكان، ففي كل مرة أزوره أشعر بأن التجديد قد أصاب روحي وجسدي، فهو بمثابة واحة تحيطها المياه من كل صوب، وقد فضلت بعضها أن تتراقص على أنغام الموسيقى العالمية والمحلية.

ورغم أن كل زياراتي السابقة له كانت مساء، إلا أنني فضلت هذه المرة أن تكون زيارتي صباحية، في محاولة لتغيير انطباعاتي عن السوق، ومع وصولي إليه لم تكن أروقته قد ازدحمت بالزوار بعد، فقد كانت هي الأخرى تحاول أن تنفض غبار النوم عن عينيها لتستقبل زوارها بأبهى حلة، وفي المقابل كنت أبحث عن مكان لأتناول فيه قهوتي الصباحية، وأخيراً وجدت ما أبحث عنه في «كاريبو كافيه»، حيث كان المقهى في داخله هادئاً إلا من أصوات البعض، في حين كان جزءه الخارجي يعج بالزوار، وكل يتناول قهوته على طريقته الخاصة، فمنهم من فضل الصمت ومنهم من صاحبها بالحديث.

لم تدم جلستي طويلاً في «كاريبو كافيه»، فقد كان علي أن أمضي في أرجاء المكان لأتعرف إلى جديده، رغم أنها ليست المرة الأولى التي أجوب فيها أروقته التي ألفت هي الأخرى ظلمة الأسواق العربية التقليدية، ذات الأسقف العالية والأقواس الكبيرة التي تتدلى منها ثريات كبيرة تضيء المكان بتصاميم شرقية فريدة، وللسوق أروقة كثيرة ولكل واحد منها فضاء مختلف عن الآخر، رغم أنها تشترك في ذات التصميم المعماري، ولكل واحد منها محاله ومطاعمه التي جاءت من مختلف أصقاع الدنيا لتحط في هذه الرقعة الصغيرة.

ما إن تلج أروقة السوق حتى تشعر برغبة الاكتشاف، وستصاب في كل مرة تزور فيها هذا السوق بالحيرة، فلا تعرف أين ستتناول وجبتك المفضلة أو حتى قهوتك، فكل أماكنه رائعة وإطلالاته التي تشترك في بحيرة تلف المكان، رغم أن بعضها يحتفظ بمقابلة برج خليفة، وبنافورة دبي الراقصة.

محال متعددة

يتألف سوق البحار من طابقين يضمان ممرات واسعة تنتشر على جانبيها المحال التجارية في تصميم يحاكي أجواء الأسواق العربية التقليدية، ويشتمل السوق على أكثر من 100 محل تجاري من بينها 22 مطعماً ومقهى.

لم أفق على ساعتي التي مضت بسرعة إلا متأخراً، فقد كانت الشمس فد انتصفت كبد السماء، في ذلك الوقت كنت قد دخلت محال كثيرة بعضها متخصص في الأزياء وأخرى في الأنتيكا التي يبدو أنها تجد رواجاً كبيراً في هذا السوق، لازدحامه بالسياح الأجانب الذين تجذبهم الأنتيكا العربية بكل تفاصيلها، في المقابل بعض هذه المحال تخصص في اللوحات الفنية المختلفة التي تصور شخصية العربي وتفاصيل ملامحه السمراء وغيرها، ومن بينها يبرز محل صغير عنوانه «التراث للحناء».

حيث كانت تقف على بابه إحدى موظفات المحل تحاول جذب الزبائن لتجربة فريدة، بنقش الحناء على أيديهم، حيث تبدأ أسعاره من 120 درهماً وترتفع كلما كانت مساحة النقش أكبر، ويمكن للزبونة أن تختار ما تشاء من النقوش التي تعرض عليها بمجرد دخولها للمحل. ومنه انتقلت إلى محل آخر لبيع السجاد، وفيه عرضت أنواع كثيرة من السجاد الإيراني والتركي والصيني وكلها تفاوتت في أسعارها بحسب الخيط والنقش المرسوم عليها، وبالطبع بلد المنشأ وقد هيمن عليها الإيراني بأسعاره المرتفعة.

كما يحتضن السوق أيضاً عدداً من البنوك وكذلك فرعاً ل«سبينس» الذي يمتد على مساحة تبلغ 5.587 قدماً مربعة، ويعتبر أحد أكبر محال السوبر ماركت التي تقدم خدماتها لقاطني مشروع «وسط مدينة برج خليفة». وبصعودي إلى الطابق الثاني كانت نوعية المحال التجارية قد اختلفت من حيث تخصصاتها وحتى ديكوراتها، فبعضها يبيع الساعات والإكسسوارات، وأخرى تبيع مواد التجميل والحقائب والذهب والمجوهرات والمنتجات اليدوية وغيرها.

ومن جهة أخرى، يكاد السوق يكون مزدحماً بالمطاعم والمقاهي، ففي قائمته يضم أنواعاً كثيرة من المطاعم التي تقدم وجبات من مختلف أنحاء العالم، ومنها مطعم «داين أند ديلوكا»، الذي يعتبر أول مطعم في دبي يقدم الوجبات الأميركية التي تشتهر بها منطقة «سوهو» بمدينة نيويورك، ومطعم «تونينو لامبورغيني»، المقهى الإيطالي ذو الطابع الخاص والذي يعد هو الآخر الأول من نوعه في دبي، وكذلك مطعم «ذا ميت كومباني».

وهو ثاني المطاعم التي تقدم شرائح اللحم الشهية من جنوب إفريقيا في دبي، والمميز في هذا المطعم تحديداً أن حفلات عيد الميلاد تتم فيه بطريقة مختلفة عن تلك التي اعتدنا عليها، حيث يجتمع العاملون في المطعم تصاحبهم طبول ضخمة ويؤدون الفقرة على الطريقة الإفريقية في إيقاعاتها ورقصاتها، ورغم أنها لا تستمر لأكثر من عشر دقائق إلا أنها كفيلة بإشاعة جو من الدفء والفرح بين زبائن المطعم، وهناك مطعم «سي آر يو» الذي يقدم لضيوفه وجبات خفيفة، كما يضم السوق عدداً من المقاهي مثل «ستار بكس»، و«كاريبو كافيه»، و«سينامون أند سياتلز بيست»، وغيرها.

حيرة الزائر

قد يحار زائر السوق في قائمة المطاعم التي يحتضنها السوق، فبعضها يحتفظ بإطلالة مباشرة على ممشى الواجهة المائية، والبعض الآخر يحتفظ بإطلالته على برج خليفة والبحيرة المقابلة له، والتي ما إن يسدل الليل ستائره، حتى تبدأ نافورتها بالرقص على أنغام الموسيقى المحلية والعالمية. في زيارتي هذه اكتشفت أن لكل وقت من أوقات السوق ميزته وناسه ولكل منهم طبائعه المختلفة، وقد تكون ميزة السوق في موقعه في جزيرة المدينة القديمة.

فهو على بعد خطوة من دبي مول، أكبر مركز تسوق في العالم، وبرج خليفة الأطول في العالم، وفنادق «ذي بالاس» و«العنوان» و«المنزل» و«قمر الدين» وغيرها، وتكثر فيه المحال والمطاعم والمقاهي التي تلبي لكل شخص رغبته وتطلعاته، ومن دون شك أن كل هذه الأماكن قد غذت في السوق الروح وجعلته مقصداً للجميع، كما أنه ينفرد بطرازه المعماري المستوحى من التصميمات الهندسية العربية التقليدية التي تنسجم مع الأجواء المحيطة به، ومن دون شك أن مصمميه قد برعوا في استخدام الماء لإحياء المكان وجعله أيقونة رائعة جداً.

نوافير

عروض مائية وضوئية على إيقاع الموسيقى

أكثر ما يميز سوق البحار هو مقابلته لنافورة «دبي فاونتن» التي تتوسط بحيرة برج خليفة، حيث تمتد هذه النوافير على مساحة 380 متراً، ويصل طول «دبي فاونتن» إلى أكثر من 900 قدم (275 متراً)، وهي مزودة بخراطيم قادرة على ضخ المياه في الهواء بارتفاع أعلى من برج مؤلف من 50 طابقاً.

كما تم تزويد «دبي فاونتن» بأكثر من 6000 مصدر للضوء من تصميم شركة «طش» الأميركية، إضافة إلى أجهزة إسقاط تعكس 25 لوناً تتماهى في طيف ضوئي ساحر وأكثر من 1000 تشكيل مائي، ما يمنح الزوار فرصة متابعة عروض بصرية لا مثيل لها، ويمكن لزوار سوق البحار وكذلك دبي مول متابعة عروض النافورة من خلال شرفات المطاعم المطلة على منطقة وسط برج خليفة، وهو ما يمنحهم منظراً بانورامياً رائعاً. يذكر أن حجم نوافير دبي أكبر بنحو 25% من نوافير «بيلاجيو» المعروفة في لاس فيغاس بالولايات المتحدة الأميركية.

مواصلات

يمكن الوصول إلى سوق البحار بطرق عدة، إما باستخدام السيارة حيث تتوافر لها مواقف عديدة بالقرب من السوق، ويتطلب ذلك دخول المدينة القديمة سواء للقادمين من جهة أبوظبي أو حتى من الشارقة، واللافت أن السوق يبعد مسافة 15 دقيقة عن مطار دبي الدولي، ونحو ساعة عن مدينة أبوظبي، كما يمكن استخدام حافلات الموصلات العامة، وأيضاً مترو دبي، حيث تبلغ تكلفة رحلة المترو ذهاباً وإياباً من محطة ديرة سيتي سنتر إلى محطة برج خليفة ـ دبي مول 7 دراهم فقط، ومنها يمكن استخدام حافلات المواصلات العامة للوصول الى دبي مول، حيث يمكن الوصول إلى السوق مشياً على الأقدام عبر جسر صغير يصل ما بين السوق ودبي مول.

دبي - غسان خروب