لا شك أن إعلان هيئة تنمية الموارد البشرية في نهاية العام الماضي عن نسبة البطالة بين المواطنين والتي تصل إلى 13%، وأن أكثر من 21 ألف مواطن يعانون من البطالة ويبحثون عن فرص عمل، كان كفيلاً بإثارة العديد من ردود الأفعال التي استغربت ضخامة الرقم، ورغم ذلك فهي لم تنكر جهود الحكومة والهيئة في رفع نسبة التوطين في القطاعين الحكومي والخاص بالدولة.
وفي ظل هذا الرقم كان لا بد من البحث عن حلول دون التقليب في الأسباب التي خلقته. فكان الاقتراب من الشباب واستطلاع أرائهم مدخلا للبحث عن حلول لديهم لمعضلة تعاني منها الدولة منذ سنوات طويلة. جرى الاستطلاع مع مجموعة من طلبة كلية دبي التقنية في جلسة حوارية، تلمسنا خلالها آراءهم ومقترحاتهم لخفض هذه النسبة.
القطاعات الخدماتية
يقول إبراهيم عبدالله: « في البداية يجب علينا النظر إلى أساس المشكلة والتي تكمن في وجود شريحة كبيرة من الشباب تريد العمل في قطاعات معينة وضمن مسميات عالية وترفض العمل في القطاعات الخدماتية الدنيا التي تشكل في مجملها عصب الحياة في الدولة، وإذا نظرنا إلى السعودية مثلا سنجد أن المواطن السعودي بدأ يعمل كسائق أجرة ونجار وحلاق وغيرها.
ومثل هذه المهن أصبحت مفقودة لدينا، ولذلك يجب علينا البدء بتدريب الشباب وتهيئتهم لشغل الوظائف الدنيا وشغلهم لها سيساهم إلى خفض نسبة البطالة في الدولة، ويجب أن ندرك أن هناك الملايين من الشباب في الدول الأخرى لا يجدون فرص عمل، وهو بعكس الإمارات، فالحكومة تحاول جاهدة لتوفير فرص عمل لهم، ولم تتوقف عند حملة الشهادات العليا إنما طالت حملة الثانوية والإعدادية أيضاً».
البيت هو الأساس
ويرى محمد أحمد: أن البيت هو أساس الحل، ومنه يجب أن يبدأ، حيث تبدأ تنشئة الشاب، فإذا لم يكن هناك مراقبة وتوجيه واضح من قبل الأسرة سنجد الشاب قد يصادق رفاق السوء الذين يؤثرون على مستواه العلمي، ليقف عند الإعدادية أو الثانوية عند أبعد حد، وهذا سيقف عائقاً في وجهه للحصول على أي وظيفة، فضلاً عن أنها قد تحرمه من الحصول على شهادة حسن سير وسلوك التي لا يمكن له العمل بدونها في أي مؤسسة».
ويضيف: «المشكلة الثانية التي نواجهها أن معظم الشباب يفضلون التوقف عند الثانوية وعدم المضي في دراستهم الأكاديمية، حيث يلتحقون ببعض المؤسسات الحكومية ذات الرواتب المجزية، ولكن بعد فترة نجدهم يفضلون الاستقالة والبحث في مجال آخر، وبسبب عدم امتلاكهم شهادات عليا لا يمكنهم العمل في مؤسسات أخرى، وفي حالة وجدوا وظيفة لا يقبلون براتبها القليل مقارنة مع ما كانوا يحصلون عليه، ولذلك يفضلون الجلوس في البيت دون عمل على القبول بهذه الوظيفة أو تلك، واعتقد أن رفع سقف معايير التوظيف في بعض المؤسسات سيجبر العديد من الشباب على مواصلة تعليمهم الأكاديمي الذي يمكنهم من الحصول على وظيفة جيدة».
محمد راشد ينظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، حيث يرى أن «هناك شريحة كبيرة من الشباب لا يدركون معنى المسؤولية، ويريدون الوصول إلى مرتبة إدارية بسرعة، ويتجاهلون أن الذين وصلوا قبلهم إلى هذه المرتبة قد تعبوا واجتهدوا كثيراً في حياتهم العملية، ولذلك يجب أن نبدأ بتدريب الشباب خاصة الطلبة للقبول بالتدرج الوظيفي، وأن تتم معاملتهم حسب شهاداتهم العلمية.
بحيث لا يتساوون مع حملة الثانوية من حيث الرواتب والامتيازات»، ويواصل: «كما يمكن للمؤسسات أن تقوم باستقطاب شريحة كبيرة من هؤلاء الشباب ضمن مسميات وظيفية معينة، على أن يتم تدريبهم وتأهيلهم تمهيداً لاستلام مهام وظيفية عليا تمكنهم من الحصول على رواتب وامتيازات أكبر».
وأشار محمد إلى انه يمكن تخفيض نسبة البطالة بين الشباب من خلال إقناع المؤسسات والشركات برعاية الطلبة، والإشراف عليهم طوال فترة دراستهم، على أن تقوم بتشغيلهم في الإجازات محتسبة دورات التدريب التي يأخذونها في الكليات أو الجامعات، ويفرض على الطالب أن يعمل في هذه المؤسسة بعد انتهائه من الدراسة، ويعتقد محمد إن هذا الحل سيساهم أيضاً بشغل أوقات فراغ الطلبة في أوقات الإجازات».
فجوة الرواتب
من جانبه يقول بطي الفلاسي: «هناك فجوة كبيرة في سلم رواتب المؤسسات الحكومية وحتى الخاصة بين إمارة وأخرى، وبلا شك أنها ساهمت بإدخال نسبة كبيرة من الشباب في نفق البطالة، فكثير منهم يريد العمل في إمارته ليبقى قريباً من بيته وعائلته، لكن الرواتب لا تساعده، فيفضل الانتظار حتى يحصل على وظيفة براتب أعلى في إمارته، وهذا سبب ارتفاع في نسبة البطالة، ويمكن لمس ذلك بوضوح في الإمارات الشمالية، في حين إن الوضع مختلف في إمارتي دبي وأبوظبي التي يتمتع فيها الموظف براتب وامتيازات عالية، ولذلك يجب العمل على تقليص الفجوة في الرواتب بين إمارات الدولة، وهو ما سيشعر المواطن بالرضا والالتزام بالوظيفة».
ومن جهة أخرى، قال بطي: «نحن نعاني في الأساس من مشكلة في طرق التدريس، فهي لا تحفز الشباب نهائياً على العمل، وتبقيهم ضمن سلسلة البطالة التي نعاني منها، وإذا أردنا الاطلاع على تجارب أميركا وأوروبا سنجد أن المدرسة هي التي توجه الطالب نحو المجال الذي يبدع فيه، وتشجعه على الاهتمام فيه ودراسته، كما نجد أن هذه الدول اهتمت كثيرا بالمدارس الصناعية والتجارية وهي مفقودة لدينا، واعتقد انه يجب علينا إعادة النظر في طرق التدريس وفتح المجال أمام الفرع الصناعي والتجاري في المدارس، وتشجيع الطلبة لدخول هذه الفروع».
ويتفق راشد عبيد مع زميله بطي في مسألة توحيد الرواتب مضيفا: «اعتقد أن توحيد سلم الرواتب أو مقاربتها من بعضها البعض في جميع إمارات الدولة، سيمكن المواطن من العمل في إمارته دون أن يتحمل أعباء السفر إلى الإمارات الأخرى للعمل فيها سعياً وراء الرواتب الأفضل، فهو بعد فترة يفضل الاستقالة من وظيفة نظرا لبعد المسافة وما يتكبد من مشقة يتحملها أملاً بإيجاد وظيفة مناسبة في إمارته».
وأكد أن هذا السبب خلق عدم الرغبة بالعمل لدى الشباب وهو ما زاد من نسبة البطالة بينهم. ويرى راشد أن تفكك بعض الأسر أدى إلى استفحال هذه الظاهرة، لأنه لا يوجد رقابة على الأبناء بعد طلاق الزوجين وبالتالي تسربهم من المدارس، مؤكداً ان زواج المواطن من الأجنبية زاد هذه الظاهرة في المجتمع الإماراتي ولذلك نرى ارتفاعا حادا في البطالة، ودعا إلى قيام الجهات الحكومية بالتشدد في هذا الجانب وذلك بتعقيد إجراءات مثل هذه الزيجات».
تجنيد إجباري
أما عمران الهرمودي فيقول: «إذا أردنا حل المشكلة يجب أن نبدأ من المدرسة، بحيث تبدأ بتعويد الطالب منذ صغره على قبول أي وظيفة يحصل عليها، إلى جانب تدريبه على المهن اليدوية منذ الصغر بحيث تكبر معهم. والمشكلة التي نواجهها أن نسبة كبيرة من الشباب لم يتعودوا على ذلك منذ صغرهم والسبب أنهم كبروا في ظل نمو اقتصاد الدولة، ولم يروا أجدادنا وآباءنا عندما كانوا يعملون فيها، وبتقديري انه يجب تعليم الطلاب منذ دخولهم المدرسة تخصصات ومهن يمكن لهم الاستفادة منها مستقبلاً ليس في الوظيفة فقط وإنما في حياتهم العامة أيضاً».
في المقابل، اقترح الشباب أن يتم تجنيد الشباب العاطلين عن العمل في القوات المسلحة بشكل إجباري، وذلك بغية تحفيزهم على العمل والاستفادة من أوقات فراغهم، ولعدم تركهم عرضة للانحراف، واستشهدوا جميعاً بتجربة أبوظبي في تجنيد الطلبة بعد وصولهم إلى المرحلة الثانوية، وقالوا بأن ذلك يخلق لديهم الوعي والولاء للدولة وينمي فيهم الميول نحو العمل».
مناقشة
زيادة مستمرة في أعداد العاطلين
لازالت مشكلة البطالة واحدة من أهم المشكلات التي تقض مضاجع العديد من المسؤولين في الدولة، خاصة وان معظم الإحصائيات التي نشرتها بعض المؤسسات الرسمية تشير إلى تزايد أرقام العاطلين عن العمل، الأمر الذي خلق مشكلة كبيرة في الدولة، وسط تساؤل عن إمكانيات سوق العمل لاستيعاب هذه الأعداد.
ومن دون شك أن معارض التوظيف التي تنفذها العديد من المؤسسات في الدولة قد هدفت في معظمها إلى الحد من البطالة، في محاولة لإتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من الشباب للانخراط في سوق العمل، والمتابع لمعارض التوظيف سيكتشف إنها تستهدف في الأساس فئة الشباب الذين يعتبرون المحرك الأساسي في أي مجتمع.
وقد حاولت «البيان» مناقشة هذا الموضوع ولكن من زاوية أخرى، بحيث نحاول أن نقدم حلول للازمة التي تعاني منها الدولة خاصة وان نسبة البطالة قد وصلت بين المواطنين إلى 13%، وقد حاول الشباب خلال اللقاءات التي أجريناها معهم تقديم عدد من المقترحات التي تهدف في مجملها إلى حل مشكلة البطالة أو على الأقل تقليلها.
دراسة
كشفت أول دراسة مسحية رسمية قامت بها هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية «تنمية» بالتعاون مع وزارة الاقتصاد ومركزي الإحصاء في أبوظبي ودبي منتصف العام الماضي، أن متوسط نسبة البطالة بين المواطنين على مستوى الإمارات بلغت 9. 12% وشكلت بطالة النساء النسبة الأكبر فيه، حيث وصلت إلى 6. 27%.
فيما بلغت بين الذكور 5. 6% من إجمالي العينة التي شملتها الدراسة التي أوضحت أن البطالة بين الشباب حسب الفئات العمرية بلغت 9. 43% للفئة العمرية الواقعة بين 15ـ 19 عاماً و3. 20% للفترة العمرية بين 20- 24 ونسبة 8. 23% للفئة العمرية بين 15 ـ 24 ونسبة 9% للفئة العمرية 25 عاماً وما فوقها و9. 12% لـ 15 عاماً وما فوق، بينما شكلت نسبة البطالة بين الإناث في الفئة العمرية من 20 ـ 24 عاماً نحو 6. 46% ومن 25 فما فوق 3. 20% ومن 15 فما فوق 6. 27%.
غسان خروب


