تعتبر البحيرات العظمى أكبر مصدر للمياه العذبة في العالم، وقد نشب صراع محتدم حول سلامتها مؤخرا. فعلى جانب تقف قوى خارقة تضم أميركا الشمالية، ويشمل هذا الجانب الحكومتين الأميركية والكندية، والجيش الأميركي، وحكام ثماني ولايات أميركية، ولجنتين تابعتين لمجلس الشيوخ الأميركي، علاوة على المحكمة العليا الأميركية.
أما على الجانب المقابل من الصراع فلا توجد هناك سوى سمكة واحدة. ومع ذلك، رجحت كفة السمكة، وفازت في هذا الصراع غير المتكافئ.
ويحذر خبراء البيئة من وقوع كارثة بيئية في هذه البحيرات، التي تعد مصدرا لسمك الشبوط النهري الآسيوي، وهو نوع من الأسماك الغازية المفرطة في التهام الغذاء، التي توشك أسرابها على اجتياح بحيرة متشيغان، ولا تبعد عنها حاليا سوى أميال معدودة. وإذا ما وصلت هذه الأسماك إلى البحيرة، فسيكون لها القدرة على الانتشار في أرجاء البحيرات العظمى بصورة أوسع، وإلحاق الدمار بنظامها البيئي الهش، وهذا سيشمل قطاعي الصيد والاستجمام في المنطقة، اللذين تعتمد عليهما ملايين الوظائف، ويبلغ رأس المال المخصص لهما 7 مليارات دولار.
يقول ديفيد أولريخ، وهو أحد المسؤولين عن مبادرة إنقاذ البحيرات العظمى ومدن مقاطعة سان لورنس، والتي تمثل 70 مدينة ساحلية في الولايات المتحدة وكندا، وتضم عددا من السكان يبلغ 13 مليون نسمة: «هذه الأسماك تشكل تهديدات كبيرة، وبدأ الأميركيون يكتشفون الآن مدى ضخامة هذا الخطر الداهم».
وكان سمك الشبوط الآسيوي قد أدخل في البداية من الصين إلى الولايات الأميركية الجنوبية، في سبعينات القرن الماضي، بهدف المساعدة في تنظيف خزانات المياه الموجودة في مزارع الأسماك الأميركية هناك. وقد تمكنت تلك الأسماك من الهروب من الخزانات، بسبب قدرتها الخارقة على القفز، ولأكثر من 30 عاما ظلت تشق طريقها بصورة راسخة نحو أعلى نهر الميسيسيبي، ملتهمة في طريقها الغذاء، ومحدثة الدمار في موطن الأسماك المحلية. وفي ديسمبر الماضي تم العثور على حمض نووي لأسماك الشبوط في مكان لا يبعد سوى بضعة أميال عن البحيرات العظمى خارج شيكاغو، وهو اكتشاف وصفه أولريخ بأنه شكل صدمة كبرى للجميع.
وعلى الرغم من أن هذه الأسماك الآسيوية تعيش على الطحالب والعوالق المائية الحية، إلا أنها تعتبر بمثابة المبيد الحي لعالم الأسماك. وقد يصل طول السمكة إلى 4 أقدام، ووزنها 110 إلى أرطال، وتلتهم في يوم واحد من الغذاء ما يضاهي 40% من وزنها. ومن خلال ابتلاعها قدرا كبيرا من العوالق والطحالب من داخل المياه، فإنها تحرم الأصناف المحلية اليافعة من الأسماك من مصدر غذائها الرئيسي، مما يؤدي إلى تقلص أعدادها بصورة تدريجية، وتعريضها في نهاية المطاف لخطر الانقراض.
وإذا سرنا مع مجرى البحيرات العظمى لمدى أبعد، فسوف تبدو الأضرار في نهري إلينوي والميسيسيبي واضحة للعيان. فهذه الزائرة ثقيلة الظل من المخلوقات عرضت الأسماك المحلية للتضور جوعا، بحيث أنه من بين كل 10 أسماك محلية تنفق، تكون هي مسؤولة عن نفوق 9 منها.
ويخشى خبراء البيئة من أنه في حال رسخت وجودها في البحيرات العظمى، فستتعرض تلك البحيرات لمصير كئيب، وهي تعتبر في جميع الأحوال معرضة للأخطار، بسبب بيئتها الهشة التي تشكلت في نهاية العصر الجليدي عندما بدأت الأنهر الجليدية بالإنحسار قبل 10000 سنة. وهذا يضاهي في المصطلحات البيولوجية لمحة عين زمنية. وقد عرض ذلك النظام البيئي الناشئ لهجمات اجتياحية على مر السنين.
وكخطر إضافي، فإن النوع الفضي من أسماك الشبوط الآسيوي لديه القدرة على القفز في الهواء إلى ارتفاع مترين، وهذا ما تقوم به تلك الأسماك، عند سماعها ذبذبات الضجيج الصادر عن القوارب السريعة المارة من المكان. ومثل هذه الحركات البهلوانية كانت ستعتبر مألوفة لو لم تكن محفوفة بالمخاطر. ويشير الخبراء إلى أن لدى هذه الأسماك فكين قويين يعرضان الإنسان لفقدان الوعي، وربما الغرق، إذا ما ارتطما به.
عمر حرزالله
