برغم أهمية حس الفكاهة في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي، فإن علماء الأعصاب لم يتمكنوا من تحديد كيفية استجابة الدماغ للدعابات المضحكة إلا بعد التقدم في علم تصوير الدماغ خلال العقد الأخير. ومن واقع تلك المعارف الجديدة، بدأ العلماء الآن يفكون أسرار روح الدعابة بدءاً من أعماق الدماغ البشري.

لكن ما هي الدعابة؟ تجمع معظم النظريات على أنه لابد من توافر عامل مهم في الدعابة، وهو وجود مفارقة بين عنصرين مختلفين، وإمكانية كشفها بطريقة مازحة وغير متوقعة.

ولننظر إلى هذا المثال من مسلسل «أونلي فولز أند هورسيس» البريطاني الكلاسيكي، عندما يزور تروتر طبيبه لإجراء فحص للقلب. يسأله الطبيب «هل تدخن، سيد تروتر؟»، فيجيبه تروتر «لا شكراً دكتور، ليس الآن».

المفارقة في هذه الفكاهة تكمن، طبعاً، في غرابة فكرة ان يعرض الطبيب سيجارة على مريض يشكو من مشكلات في القلب. ولا يمكننا الاستمتاع بالفكاهة إلا عندما نفهم المفارقة. ويقول كارلي واتسون، من جامعة ديوك الأميركية، «يبدو ان حس الفكاهة هو نتاج قدرة الإنسان على إلقاء أحكام سريعة بالبديهة، تتبعها تقويمات أبطأ وأكثر تروياً».

لكن ما هي الأجزاء الدماغية التي تقوم بهذ العمليات؟ لمعرفة الإجابة، عمد جوزيف موران، من كلية دارتماوث في هانوفر بولاية نيو هامشاير الأميركية، إلى استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لإجراء مسح لأدمغة عدد من المتطوعين أثناء مشاهدتهم لحلقات من مسلسلات كوميدية شهيرة.

وكشفت التجارب عن نمط مميز واضح للنشاط الدماغي يحدث استجابة للفكاهات المضحكة، حيث يتركز معظم النشاط في التلفيف الدماغي الصدغي الخلفي الأيسر والتلفيف الأمامي الأدنى الأيسر.

وتتصل هاتان المنطقتان الدماغيتان بوظائف الاستيعاب اللغوي والقدرة على تعديل تركيز اهتمامنا، وهو ما يتوافق، على ما يبدو، مع عملية حل المفارقة التي تمثل جوهر الفكاهة.

وكشفت أبحاث أخرى، أجراها دين موبز، من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، عن ارتفاع حاد ثان للنشاط العصبي في النظام الحاقي أو«الليمبي» في الدماغ ـ والمرتبط بإفراز الدوبامين، الذي يسمى أحياناً هرمون «السعادة»، وهو ما يفسر شعورنا بالمتعة عندما نفهم الدعابة.

ومن خلال تفحص جزء محدد من النظام الليمبي ـ يدعى فنترال سترياتوم - وهو مسؤول عن الشعور بالسعادة، كشف الباحثون عن تفاصيل مثيرة للاهتمام، حيث وجدوا ان مستويات النشاط في هذا الجزء الدماغي تتزامن وتتوافق مع ذروة الفكاهة التي يجدها المتلقي مضحكة.

ويقول موبز: «هذه هي المنطقة الدماغية نفسها التي تتدخل في الحالة المزاجية عند ممارسة الجنس أو الاستماع إلى الأغاني المفضلة. أي ان الفكاهة تصب في أنظمتنا العصبية الأساسية لمكافأة الذات، والتي تلعب دوراً مهماً لبقائنا».

لكن حس الفكاهة أكثر تعقيداً بكثير من الملذات البدائية مثل الجنس أو الطعام. فإضافة إلى العمليتين الأساسيتين المتمثلتين في فهم الدعابة ومن ثم التمتع بها، فإن الفكاهات تحفز أيضاً النشاط في مناطق أخرى من القشرة الدماغية الجبهية والقشرة الحزامية، واللتين تتصلان بعمليات ربط المعلومات والتعلم وصنع القرارات. ولاحظ فريق الباحثين أيضاً نشاطاً زائداً في منطقتين دماغيتين محددتين لا توجدان إلا عند البشر.

لكن أدمغة البشر مختلفة، وهناك أبحاث كثيرة تجري الآن لمعرفة كيف تنعكس هذه الاختلافات على إحساسنا بالفكاهة. وعلى سبيل المثال، فقد تبين أن أدمغة الرجال تعالج الدعابة، بطريقة تختلف قليلاً، في ما يبدو، عما هي عليه عند النساء.

ومع ان كليهما يضحك على نفس عدد الفكاهات تقريباً، فإن المرأة تظهر نشاطاً أقوى في القشرة الخارجية للمخ. وهذا يشير، كما يقول موبز إلى «درجة أعلى من المعالجة التنفيذية وفك التشفير اللغوي».

ولذلك تستغرق النساء وقتاً أطول مما يفعل الرجال حتى يقررن ما إذا كانت الفكاهة أو المفارقة مضحكة أم لا، لكن لا يبدو أن ذلك يفسد استمتاعهن بالدعابة نفسها في نهاية المطاف، لا بل إن متعتهن ربما تفوق متعة الرجل، كما تشير استجابتهن الأقوى في النظام اللميبي.

الشخصية والفكاهة

كما هو متوقع، فإن الشخصية تلعب أيضاً دوراً في حس الفكاهة. فلقد أظهرت أبحاث موبز ان الأشخاص الذي يوصفون بأنهم أكثر اهتماماً بشؤون الآخرين وأكثر استقراراً عاطفياً ترتفع لديهم مستويات النشاط العصبي في المناطق الدماغية المسؤولة عن السعادة خلال تعريضهم للمحفزات المضحكة.

وبالمقابل فإن الأشخاص العصبيين، تنخفض لديهم استجابات المتعة بالمقارنة مع الأشخاص العاديين.