قلّة هي أوجه المجتمع التي لم تؤثر فيها شبكة الإنترنت التي أدخلت تغييرات جذرية على منحى سلوكنا في مختلف الميادين من اتصالات الأعمال إلى أنشطة الترفيه. ومع ذلك فإن الشبكة العنكبوتية نفسها لم تشهد أي تحول جذري طيلة الفترة الماضية، فضلًا عن الحقيقة الماثلة أمام المتخصصين والتي تشير إلى أنه لاتزال هناك بعض المشكلات التي تواجه هيكل الإنترنت الجديد فائق السرعة. ومع انطلاق أعداد كبيرة من الخدمات التي تحتاج إلى سرعات إنترنت عالية، فإن العمود الفقري المصنوع من الألياف الضوئية والذي يشكل خطوط الاتصال الرئيسة للإنترنت بات معرضاً للإخفاق أمام سيل البيانات العارم، ولذلك فلقد حان الوقت لتحديث الشبكة.
وربما يمكن تكوين فكرة مبدئية عن طبيعة التحديث المرتقب من إلقاء نظرة سريعة على خط الألياف الضوئية فائق السرعة الذي يمتد بطول 900 كيلومتر بين باريس في فرنسا وفرانكفورت في ألمانيا والذي تقوم بتركيبه شركة الاتصالات «فيريزون». وهو يقدم نموذجاً مبكراً عن العمود الفقري الجديد للإنترنت والذي يوفر قدرات كافية للوفاء بمتطلبات التطبيقات المتعشطة لسرعات الإنترنت العالية حتى مراحل لاحقة في المستقبل.
واليوم يتوقف أسرع أداء لمعظم شبكات الاتصالات العالمية عند عتبة 10 مليارات بت (10 غيغابت) بالثانية ، أي إن إرسال محتوى فيلم «دي في دي» كامل واحد من شأنه إشغال خط الاتصال الرئيس لنحو أربع ثواني. والأمر لايزال على هذه الحال منذ 1996 ؟ عندما كان المستخدمون يدخلون إلى شبكة المعلومات عن طريق الموديمات البطيئة التي تعمل على خطوط الهاتف التقليدية وكانوا يستخدمون النسخة الأولى من متصفح الإنترنت «نتسكيب نافيغاتور».
وتم منذ ذلك الحين إضافة أعداد هائلة من كيبلات الألياف الضوئية إلى العمود الفقري الرئيس للشبكة خلال فورة شركات الإنترنت قبل نحو عقد من الآن، ما أدى في بادئ الأمر إلى إيجاد نوع من التخمة في طاقة الإنترنت على نقل البيانات. لكن الآن بدأ المستخدمون الجدد والخدمات الجديدة ، الوسائط الاجتماعية، خدمات تحميل الفيديو، مواقع بث التسجيلات المرئية والمسموعة، وشبكات تبادل الملفات ،في استنزاف تلك الطاقة الإضافية. وقريباً سيحتاج العالم إلى رفع طاقة الإنترنت، لكن الجهود الرامية لتحقيق ذلك الهدف تواجه تحديات كبيرة.
ففي العمود الفقري الحالي للإنترنت المصنوع من الألياف الضوئية، يتم تمثيل الخانات الرقمية المرادفة لـ 1 و0 عن طريق تشغيل وإطفاء شعاع ليزري. وترسل أجهزة الليزر عشرات الإشارات المنفصلة عبر كل شعيرة ضوئية بأطوال موجية متباينة قليلاً، تستطيع مجتمعة نقل 10 جيجابايت من البيانات بالثانية. لكن هذا الأسلوب له قيوده الخاصة، فمحاولة رفع معدل نقل البيانات لكل طول موجي لن تجدي، لأن الإشارات تبدأ بالتداخل مع بعضها عند عتبة معينة. ويقول ديمبل أمين من شركة «سيانا» الأميركية المتخصصة في تصنيع تجهيزات الشبكات ان مشكلة سلامة الإشارة عند معدل 100 جيجابت تصبح أسوأ بمئة مرة مما هي عليه عند سرعة 10 غيغابت.
وتمثلت نقطة البداية الجديدة لتكنولوجيا المئة جيجابت في التخلي عن أسلوب قواطع الليزر، والاستعاضة عنه بتقنية تتيح تعديل حالة الأمواج الضوئية بتحريكها إلى الأمام والوراء بفوارق ثابتة. ويتطلب أبسط إجراء من هذا النوع تغيير زاوية الموجة الضوئية بفارق 90 درجة ، للتمييز بين حالة 0 وحالة 1، في حين تتطلب معدلات نقل البيانات الأعلى إلى عملية أكثر تعقيداً تعتمد على تحويل حالة الموجة الضوئية بواقع 145+، 45، 45- و135-، بحيث يمثل كل منها زوجاً من الخانات الرقمية: 00، 01، 10 أو 11.
لكن هذا وحده لا يكفي لبلوغ مستوى 100 جيجابت بالثانية. ولتحقيق ذلك الهدف لابد من توافر إشارات لها نظاما استقطاب مختلفان، يمكن الفصل بينهما عند نقطة الاستقبال، بحيث يحمل كل واحد 50 غيغابت.
وحتى عندئذٍ، بعد مرور الإشارات عبر مئات الكيلومترات من الألياف الضوئية، يجب معالجتها بالضوء عن طريق جهاز ليزر داخلي لاستخلاص الإشارة بوضوح. ويتم تزويد أجهزة الاستقبال، بدارات كهربائية قوية، تقوم بتحليل الإشارة وتقليص مستويات التشويش الخارجي إلى أدنى حد ممكن على طول الكيبل، وهو إجراء ضروري لضمان وصول الإشارة بوضوح بعد ان تكون قد قطعت 1000 إلى 1500 كيلومتر، كما يقول جلين ويلبروك، مدير الهيكليات الشبكية في فيريزون.
إعداد: علي محمد
نقل الإشارات
لقد أظهرت شركة الاتصالات الكندية «نورتل» التي بنت نظام «فيريزون» انه قادر على نقل الإشارات لمسافة تتجاوز 2000 كليومتر في اختبار أجري على شبكة اتصالات استرالية. ويقول جون سيتش، المستشار لدى نورتل: «لقد كان الوصول إلى رقم 2000 كيلومتر إنجازاً بطولياً بكل المقاييس».
ولاتزال هناك بعض المشكلات التي تواجه هيكل الإنترنت الجديد فائق السرعة. فعامل التشويش يمكن أن يفسد كل شيء إذا تم إرسال أقنية الـ 10 جيجابت والـ 100 جيجابت عبر نفس الألياف الضوئية بأطوال موجية متقاربة. كما أن الجيل الأول من أنظمة المئة جيجابت يستطيع أن يصل فقط إلى نصف مسافة ما تصل إليه أنظمة العشرة جيجابت الحالية، قبل أن تضيع الإشارة.
لكن، كما يقول ويلبروك «ليس علينا أن نجرب الوصول إلى مسافة 4000 كيلومتر في هذه المرحلة. فمعظم الحركة تتم ضمن نطاق 1500 كيلومتر في الولايات المتحدة وهي أقل من ذلك في أوروبا». وكخطوة أولى يبدو رقم 900 متر مقبولاً جداً ويبشر بمستقبل رقمي واعد
