نظمت صحيفة «البيان» بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي في كلية دبي للأداء الحكومي صباح أمس ندوة خاصة لمناقشة التقرير الثاني للتنمية الثقافية الذي جاء تحت عنوان «المؤشرات والدلالات في تقرير التنمية الثقافية لمؤسسة الفكر العربي».

شارك في الندوة كل من حبيب الصايغ رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ظاعن شاهين رئيس تحرير صحيفة «البيان»، دكتور سليمان عبد المنعم الأمين العام لمؤسسة الفكر العربي، سامي الريامي رئيس تحرير صحيفة «الإمارات اليوم».

دكتور محمد عبدالله المطوع عضو مجلس أمناء مؤسسة العويس، الكاتب علي عبيد عضو مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، دكتور حمد علي المستشار الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل رئيس الدولة، بينما قدم لها الكاتب والصحافي حسين درويش رئيس القسم الثقافي في صحيفة «البيان».

الكلمة الترحيبية التي ألقاها ظاعن شاهين ربطت بين الثقافة والصحافة على اعتبار أن الصحف ظلت لسنوات طويلة «سفيرة للتواصل مع الآخر» شأنها في ذلك شأن الثقافة، كما نوه إلى وقفة صحيفة «البيان» مع الثقافة وانتصارها للمعرفة منذ تأسيسها.وقال شاهين: «أدركنا منذ وقت مبكر أن الثقافة هي اللغة والأدوات والمؤسسات الاجتماعية ونظام القيم الجمالي والأخلاقي والديني»، لكنه رفض التعامل مع العلم والمعرفة بصورة ميكانيكية فالثقافة ميدان واسع للحراك الفكري والنشاط الإنساني بعيدا عن الانغلاق أو الانعزال.

الدكتور سليمان عبد المنعم ألقى من خلال كلمته الضوء على المحاور الرئيسية التي يعالجها التقرير، الذي يقع في 522 صفحة، وذلك عن طريق الإجابة عن العديد من الأسئلة المحورية التي تقف وراء كتابة هذه الوثيقة الإستراتيجية، التي لا يستقيم الحديث عن المشهد الثقافي العربي بدونه، أسئلة من نوع: لماذا كانت الحاجة إلى إصدار التقرير؟ وما المقصود بالتنمية الفكرية؟ وما هو مضمون التنمية الثقافية؟وفي معرض الإجابة عن تلك الأسئلة والتساؤلات وغيرها العديد مما هو واقع بين دفتي التقرير أو خارجهما، أكد الأكاديمي العربي أن الحاجة ماسة لوضع وثيقة عربية بهذا الحجم، لأن الساحة العربية تفتقر إلى دراسات من هذا النوع وبهذا المستوى من الاختصاص.

ذلك أن التقرير الذي يصدر عادة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يعنى بالاقتصاد والحقوق السياسية بصورة حصرية ولم تشغل الثقافة فيه حيزا كبيرا، وكذلك الأمر بالنسبة للتقرير الذي يصدر عن البنك الدولي سنويا والذي تقتصر معالجاته على الجوانب الاقتصادية فقط والتقرير الذي تصدره منظمة اليونسكو، الذي يتناول ميدان التعليم دون غيره.

وهذا يعني أن المنطقة العربية كانت بحاجة ماسة لتقرير سنوي يعنى بالتنمية الثقافية في الدول العربية.، فضلا عن حاجة هذه الدول إلى إعلاء كلمة قيم النقد والتصحيح والمراجعة نحو الانطلاق بمشروع قومي تنموي شامل، على حد تعبير الأمين العام لمؤسسة الفكر العربي.

الصايغ دعا إلى عقد قمة ثقافية عربية ووصف التقرير بأنه ينزع نحو المنهجية والعلمية محاولا بذلك عدم الوقوع في فخ العاطفية، حيث يطرح سؤال الثقافة بحرارة، معتبرا أن هذا الميدان يقع في آخر قائمة الاهتمامات والفعاليات في العالم العربي.

والتي يطغى عليها الجانب الاحتفالي، على حد تعبير الكاتب الإماراتي، الذي تحدث عن العديد من القضايا والمشكلات التي تواجها الثقافة ومعها التنمية الثقافية في هذا الجزء من العالم، مؤكدا على وجود اختلاف في المصطلح ليس بين مشرق الوطن العربي ومغربه فحسب وإنما بين مناطق البلد الواحد أيضا، منوها إلى مشكلة اللغة العربية والهوية الوطنية والتركيبة السكانية في دولة الإمارات، الأمر الذي يشير إلى خصوصية واقع كل بلد عربي على حدا.

دكتور حمد علي ركز في مداخلته على دور الخطاب الإعلامي العربي في حماية الهوية، بينما اعتبر التقرير مميزا وأنه «أبدع وأجاد في تحليل الواقع الثقافي العربي»، داعيا إلى حماية الهوية الثقافية من خلال التركيز على الخطاب الإعلامي والارتقاء بدوره في هذا الميدان، مذكرا بالمقولة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بمناسبة العيد الوطني السادس والثلاثين حين قال «من لا هوية له ليس له مكان لا في الحاضر ولا في المستقبل».

كما أكد على أن اللغة العربية هي «الأداة الأولى في الدفاع عن الهوية الوطنية وهي التي تحدد هويتنا الثقافية»، لكنه نوه إلى دور الخطاب الإعلامي في حماية الهوية الوطنية، منتقدا الإعلام الثقافي في الإمارات الذي قال إنه لا يقدم «البرامج التي تجسد هوية المجتمع» .

الريامي شدد على أهمية المعلوماتية بصفتها رافعة للتنمية الثقافية وعلى العلاقة الجدلية القائمة بين التقنية والإعلان من جهة والإعلام الإلكتروني والورقي من جهة أخرى، منوها إلى افتقار الإعلام العربي إلى هامش واسع من الحرية ومن البنية التحتية قائلا إن مسألة الخروج من هذا الوضع المأزوم يتطلب «قواعد تشريعية جديدة في ميدان الإعلام».

حيث لا فرق من الناحية القانونية بين الصحافة الورقية ونظيرتها الإلكترونية، ودعا الكاتب الإماراتي إلى تشجيع المعلوماتية، منوها إلى أن التقرير تنبه إلى أن الإعلام العربي بشكله الحالي غير قادر على استيعاب المدونات والمدونين، الذي يتعرضون إلى الملاحقات القانونية في الوطن العربي، لكنه أكد كذلك على أن الأجيال العربية الصاعدة أنجبت مدونين بارزين استطاعوا إيصال رسالتهم إلا العالم في إطار المطالبة بالحقوق المدنية والحريات.

بينما تناولت ورقة علي عبيد الحديث عن الفصل الخامس من التقرير والمتعلق بالحصاد الفكري السنوي، لأنه «يعطينا تصور عن ماهية الأفكار والإشكاليات والأسئلة التي تم تداولها عام 2008، مثلما يقدم لنا رصدا لهواجس الوعي العربي ودلالاتها»، وتناول عبيد هذا الموضوع من خلال ما أسماه واجهات ثلاث، وردت في القرير.

هي أولا الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشة وثانيا الملفات الفكرية والسياسية والاجتماعية وثالثا المادة الفكرية المترجمة عن النتاج الفكري الإنساني، ما يشير إلى أن معظم الاهتمامات العربية ليست جديدة على الفكر العربي (ديمقراطية، حريات، الجانب القومي) .

معتبرا أن هذه الواجهات مألوفة وتقليدية من حيث أنها تتحدث عن المسألة الديمقراطية والمواطنة والحريات والانتخابات والاهتمام بالنظام الإقليمي على حساب المحلي ودور النظام العالمي في الشأن المحلي على غرار ما يحصل على صعيد القضية الفلسطينية وقضية العروبة والإسلام والوحدة الوطنية والمشكلة السكانية والهجرة والأزمة السودانية.

بالإضافة إلى الحراك الاجتماعي وقضية العمل الشبابي وضيق الهامش السياسي والحروب مثل حرب غزة والملف النووي الإيراني وأخيرا الأزمة المالية العالمية، التي تبين أن حصة الفكر والمعرفة ضئيلة فيها جميعا.

دكتور المطوع تناول موضوع اللغة العربية والأزمة التي تمر بها في الإمارات حيث هناك أجيال كاملة تتحدث اللغة الانجليزية بطلاقة على حساب اللغة العربية ،فضلا عن وجود إهمال واضح لها، «فحتى مراسلاتنا تتم باللغة الانجليزية»، كما أشاد الأكاديمي الإماراتي بالتقرير ووصفه بأنه «مرجع شامل يفتح آفاقا جديدة أمام الباحث».

من الندوة

ظاعن شاهين:نظرة للكون

الثقافة هي حياة المجتمع التي بدونها يصبح ميتا، فلا توجد مجموعة إنسانية بلا ثقافة، مهما صغرت ومهما ظهرت للغير في أقصى حالات التأخر، فكل مجموعة انسانية تعبر بوسائلها المختلفة-فكرية وعلمية ونفسية-عن كينونتها وسرها ونظرتها للكون والحياة.

سليمان عبدالمنعم:

دبي مركز استقطاب إعلامي

الإمارات تعيش حراكاً ثقافياً من خلال المؤتمرات والملتقيات والندوات حيث لا يمر أسبوع أو حتى يوم واحد دون أن نجد الكثير منها. وهذه النهضة الثقافية ترافق النهضة العمرانية بل وتدعمها في البناء المادي والروحي للإنسان.

وليس جديداً أن نقول ان دبي أصبحت مركزاً للاستقطاب الإعلامي في المنطقة. ومن أرضها، انطلقت جوائز ثقافية عديدة. وإن وجود صحافة إماراتية شابة تفرض تأثيرها على الرأي وصياغة الأفكار كل يوم ويقودها رؤساء تحرير من الشباب تواقون لكل تجديد وتحديث دليل على جدية التنمية الثقافية التي يؤمن بها قادة هذا البلد.

أمينة الناهض:

التعليم أساس الهوية

دكتورة أمينة الناهض الأمين العام المساعد لمؤسسة الفكر العربي رأت أن مشهد اللغة العربية ليس قاتما لإلى الدرجة التي ذهب إليها المداخلون، منوهة إلى وجود خمسة مشاريع تعليمية في المؤسسة أحدها مختص بتعليم اللغة العربية .

وأن هذا المشروع يأخذ في الاعتبار أثر ذلك على تشكل الهوية العربية وطرحت الباحثة سؤال حول الهوية الوطنية في الإمارات وعما إذا ما كانت مرتبطة بالهوية الثقافية وإذا ما كانت خطوة باتجاه الرجوع إلى الوراء، رغم كل مظاهر الانفتاح الذي تشهده الدولة، كما طرحت سؤالا عما إذا كانت الهوية تعني العروبة أم المحلية.

واعتبرت الناهض أن التعليم هو أساس الهوية في الوطن العربي وأن اللغة العربية هي روح الهوية، لكن المشكلة من وجهة نظرها تكمن في أن وسائل الإعلام والصحف انتهكت حرمة اللغة العربية من خلال الإعلانات واستخدام اللهجات فيها، معتبرة أن اللغة هي الركيزة الأساس في الخطاب الإعلامي.

تكريم

تبادل الهدايا التذكارية

في نهاية الندوة كرم ظاعن شاهين مؤسسة الفكر العربي بدرع تذكارية تسلمها أمين عام المؤسسة الدكتور سليمان عبد المنعم ، وبدوره قدم الأمين العام درعاً تذكارية للبيان تسلمها ظاعن شاهين، وكذلك قدمت مؤسسة الفكر العربي درعين تذكاريتين للشاعر سيف المريرئيس تحرير مجلة دبي الثقافية .

وأحمد الحمادي من صحيفة البيان ، وأيضاً قام السيد ظاعن شاهين بتكريم الباحثين الذين قدموا أوراق عمل نقاشية في الندوة وهم الشاعر حبيب الصايغ والدكتور محمد المطوع والدكتور حمد علي والكاتب علي عبيد والكاتب سامي الريامي.

شمولية

إطلالة على تقرير التنمية الثقافية

إن التقرير الثاني للتنمية الثقافية الذي تصدره مؤسّسة الفكر العربي للعام الثاني على التوالي يطرح على بساط البحث أسئلة الثقافة وأحوالها في الوطن العربي على مشرحة البحث والتحليل، باحثاً في خمسة ملفات أساسية على صلة وثيقة بمؤشرات التنمية الثقافية في مجتمعاتنا ومستوى تطورها.

في محاولة لرسم معالم الخارطة الثقافية العربية وتحديد مواقع ضعفها وقوتها. ويحافظ التقرير الدوري على شمولية الطرح ومنهجية العمل نفسها، فإنه يقدّم رؤية تقويمية لواقع التعليم العالي وأزماته، ويضعنا أمام حقيقة واقعنا التكنولوجي. أما المحاور الرئيسية فهي: المعلوماتية والإعلام والتعليم والإبداع والحصاد السنوي.

وجاء التقرير على شكل جردةألا لحصاد سنة كاملة فاتت من العمل الفكري ويرصد أبرز الأحداث الفكرية خلال العام الماضي، وفي مقدمها الجدل الملحوظ في أوساط المثقفين والمؤسّسات الثقافية حول حرية تداول المعلومات بين ضرورات حقوق الإنسان ومتطلبات الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.

في وقت أحدثت فيه ثورة الإعلام في العالم فعلها في الحياة العربية، وتنامت مساحة الحوار في المجتمع العربي لكن بقيت المشاحنات حاضرة، الأمر الذي يطرح سؤالاً أساسياً حول إشكالية آداب الحوار في ثقافتنا المعاصرة.

دبي ـ باسل أبو حمدة