قلما نجد في عصرنا هذا حاكما يترك الحكم بمحض إرادته، فقط من أجل أن يعطي الفرصة للآخرين من الجيل الجديد، فما بالنا بحاكم يحكم بلده منذ ربع قرن مضى، إنه مينتيمير شريف الله شايمييف رئيس جمهورية تتارستان الروسية التي تسكنها أغلبية مسلمة.
والذي تقدم في 22 يناير الماضي بطلب إلى رئيس روسيا الاتحادية ديمتري ميدفيديف بعدم ترشيحه لولاية خامسة لرئاسة الجمهورية، وذلك قبل انتهاء ولايته الجارية بشهرين. وبرر شايمييف طلبه بضرورة أن يفسح المجال لجيل جديد في تتارستان.
ورغم سنوات عمره الثلاث وسبعين إلا أنه يتمتع بصحة جيدة، وهناك شبه إجماع عليه في تتارستان، كما أنه من الشخصيات المفضلة لدى الكريملين باعتباره ضمانة للأمن والاستقرار وصاحب إنجازات كبيرة في جمهوريته التي يطلقون عليها أسماء كثيرة مثل «تكساس الروسية» نظرا لثروتها النفطية الهائلة.
وأيضا يسمونها «كويت الروسية» نظرا لمستوى المعيشة الجيد لسكانها البالغ عددهم أربعة ملايين، منهم نحو مليونين ونصف من المسلمين يعيشون مع أكثر من مليون مسيحي في جو من التسامح والمحبة.
انتخب شايمييف رئيسا لتتارستان عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستطاع أن ينهض بهذه الجمهورية الروسية إلى مستوى جعلها تحتل المركز الثالث في مستوى المعيشة والتحضر في روسيا بعد العاصمة موسكو والعاصمة الشمالية سان بطرسبرج.
واستطاع شايمييف أن يعقد في عام 1992 مع الحكومة المركزية في موسكو معاهدة تمنح جمهورية تتارستان شكلا من أشكال الحكم الذاتي يسمح لها أن تدير أمورها الاقتصادية والتجارية الداخلية والخارجية أيضا في إطار القوانين الفدرالية.
ورغم أن شايمييف من أبناء وكوادر الحزب الشيوعي السوفييتي السابق وكان حاكما لتتارستان في الحقبة السوفيتية أيضا، إلا انه نجح في إكساب تتارستان الطابع الإسلامي خلال العقدين الماضيين حتى أصبحت العاصمة قازان ساحة للكثير من الفعاليات والمؤتمرات والمحافل الإسلامية الدولية.
ويقام فيها أكبر مهرجان سينمائي دولي لسينما الدول الإسلامية، كما توجد في قازان أول جامعة إسلامية في العالم، وتم خلال حكم شايمييف بناء ألف ومائة مسجد في تتارستان، وقد زار شايمييف معظم الدول العربية والإسلامية وعقد معها معاهدات واتفاقات في مجالات عديدة.
وقلد العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود الرئيس شايمييف في الرياض جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الثقافة الإسلامية، وأشار الأمير خالد الفيصل إلى أن شايمييف بذل جهودا كبيرة لتعزيز القيم الإسلامية في نفوس سكان جمهورية تتارستان، وجعل من هذه الجمهورية رمزا للتعايش الاجتماعي السلمي والتسامح بين المسلمين والمسيحيين، وحولها إلى واحدة من أقوى مناطق روسيا الاتحادية.
وضعت جامعة جورج تاون الأميركية الرئيس شايمييف ضمن قائمة الشخصيات المؤثرة في العالم، وقد حرصت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على زيارة قازان أثناء زيارتها الأخيرة لروسيا، وزارت مسجدها الكبير، وأبدت إعجابها بمستوى التحضر والرقي في تتارستان.
لا أحد حتى الآن يدري سبب إصرار شايمييف على ترك الحكم، وإن كان البعض يرى أن الرجل أراد أن يكلل نجاحاته وإنجازاته العظيمة في جمهوريته بخطوة ديمقراطية غير مسبوقة، لعلها تكون نموذجا يحتذى لدى الآخرين من الحكام داخل روسيا وخارجها.
مغازي البدراوي

