تحت سماء الشتاء الصافية كالبلور، كانت وحدة مشاة أميركية خفيفة تتدرب على إصابة الهدف من مسافات بعيدة، تطلق نيرانها عبر سحابة من الدخان المتصاعد. لكن النيران التي ولدت هذا الدخان الضبابي لم تكن لها علاقة بالتدريب.

فقد أشعل أحد المواقع العسكرية الأميركية النار بالنيابة عن نقار الخشب ذي الشريط الحمراء، وهو من الطيور المعرضة لخطر الانقراض، الذي يتطلب الحفاظ على موطنه وسط أشجار الصنوبر، إشعال الحرائق باستمرار.

وعلى الرغم من انشغاله بالتدريب المستمر على مدار الساعة، تنفق قاعدة فورت ستيوارت العسكرية الأميركية نحو 3 ملايين دولار سنويا على إدارة الحياة البرية، وتعتني بنحو 279 ألف فدان، تستوعب خمسة أنواع من الكائنات المهددة بالانقراض، والمقيمة في هذا المكان.

وفي العام الماضي ثقب موظفو الحياة البرية نحو 100 حفرة صناعية، امتدت عبر جذوع الأشجار الضخمة حتى علو سبعة أمتار ونصف، وذلك حتى لا يضطر نقار الخشاب إلى أن يكدح لمدة ستة أشهر في حفر أعشاشه بنفسه!

ولم يكن الجنود الأميركيون يبدون حماسا كبيرا لإنقاذ الحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض، والحفاظ عليها. ففي السنوات الأولى من إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، كانت وزارة الدفاع الأميركية تجادل دائما بأن حماية الحيوانات المهددة بالانقراض ستؤثر على تدريبات جنودها، وتعوق استعداداتها للقتال. وفي عام 2003 ضغط العسكريون على الكونغرس لكي يعفيهم، بصورة محدودة، من قوانين الحماية الفيدرالية للكائنات الحية.

غير أن قادة المواقع العسكرية الأميركية أدركوا لاحقا، وبصورة تدريجية، أن مصلحتهم تتطلب مساعدة الكائنات المختلفة على استرجاع نشاطاتها المتعددة. وتفهموا أنه كلما زاد ازدهار النباتات والحيوانات المهددة بالانقراض، قل عدد القيود التي يتم فرضها على التدريبات العسكرية، والتي يكون هدفها تجنب تدمير مواطن تلك الكائنات.

واليوم تبذل عشرات المواقع العسكرية الأميركية في أرجاء الولايات المتحدة جهودا مكثفة، لحماية البيئات المختلفة لتلك الكائنات. ففي ايغلين بولاية فلوريدا، أعاد سلاح الجو الأميركي وصل الجداول المائية، بعضها بالبعض الآخر، لكي تشرب منها هذه الكائنات، وتسبح فيها. وفي جزيرة سان كليمانت ساعد مشاة البحرية في حماية السلحفاة البحرية، واستطاعوا استعادتها من حافة الانقراض.

ويشير بعض الجنود إلى أنه قبل 10 سنوات كان ضباطهم يراقبونهم عن كثب، ويمنعون اعتناءهم بالكائنات المهددة بالانقراض، أما اليوم فيسألونهم باستمرار عن مواطن تلك المخلوقات بهدف المساعدة في حمايتها.

ويمتلك الجيش الأميركي في الولايات المتحدة وحدها نحو 30 مليون فدان من الأراضي البكر، تعتبر في الغالب موطنا مهما للنباتات والحيوانات، ويعمل الجنود الأميركيون على الحفاظ على التزاماتهم البيئية ضمن القوانين الفيدرالية، كقانون الأصناف المهددة بالانقراض، وذلك دون الإخلال بتدريباتهم العسكرية.

لكن هذا العمل يعكس أيضا تفانيا جديدا لحماية البيئة الطبيعية. وهناك إدراك كبير الآن بأن موارد الأرض أصبحت محدودة، وأنه حتى الجيش الأميركي يدخل ضمن نظام بيئي أوسع نطاقا. فإذا تقلص هذا النظام البيئي فإنه يصعب إجراء التدريبات العسكرية.

وقد يتطلب الحفاظ على الكائنات المهددة بالانقراض إجراء تعديلات مثيرة للإحباط على التدريبات العسكرية. فعلى سبيل المثال، وفي أوقات معينة من العام، لا يستطيع مشاة البحرية الأميركية سوى استخدام جزء بسيط من شاطئ البحر في كامب بندلتون، بولاية كاليفورنيا، للتدرب على عمليات الإنزال البرمائي، وذلك من جراء الخشية من تعرض أعشاش الطيور البحرية المغردة هناك للأذى.

ولا يزال سلاح البحرية الأميركي يعتمد بقوة على أجهزة السونار في السفن، وقد أدى ذلك إلى تعرضهم للانتقاد من قبل أنصار حماية البيئة، الذين يحتجون باستمرار على استخدام هذه الأجهزة التي يقولون إنها تشوش على أنشطة الحيتان والدلافين قبالة سواحل كاليفورنيا.

عمر حرزالله