هي كل ما يبعث على السرور في قلبه، فعلى الدوام تراهما يتشاركان كل ما يمت إلى المتعة بصلة، وبقناعة هادئة يعيشان على غير هيئة أب وابنة.

أحمد اختار العيش على تراب دولة الإمارات منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، فساقه القدر إلى وظيفة عادية يقتات منها ويرسم بها ملامح أخرى زهيدة من المستقبل.

منتصف الثمانينات رزق أحمد بمولودة أسماها علا، وتجلت إرادة المولى عز وجل أن تعيش بين أحضان والديها وحيدة، وبقي الأبوان يستظلان ببراءتها وشقاوتها عن طيب قلب وبحس الإيمان والثقة بقدر الحق.

يوماً بعد يوم ظل أحمد يرقب طفلته الصغيرة وهي تكبر بين ذراعيه.. يتحفز دائماً لرؤيتها ولتقديم كل ما يحلو لها، وعلى ذلك النسق تواصلت الحياة في بيت كان يحتضن أباً وأماً وابنة وحيدة تكبر وتفرح وتلهو وتستأثر بكمية كبيرة من الحب والحنان والعطف الأبوي.

علا التي أفاقت على الحياة في دولة الإمارات لم تكن لتتقبل فكرة العيش بعيداً عن تراب هذا البلد، فهي درست في مدارس حكومية وحافظت طوال سنوات دراستها على المرتبة الأولى بامتياز. في علاقتها مع والديها اعتادت الشفافية في كل شيء، وبوجودها أصبح البيت يضج بعائلة أقرب في شكلها إلى واقع الصداقة..

تسير الأمور بأبسط ما يكون وأجمل ما في الكون، والجميع يدفع بعجلة الحياة نحو الأفضل، فيما العلاقة التي تربط أحمد بابنته علا؛ لا تعرف أبداً مسمى غير الحب والعطف والاحترام والتقدير فهي كل ما في حياته.

مرت سنوات معدودة قبل أن يجد أحمد ابنته بانتظار نتيجة الثانوية في العام 2005, وكما توقع الكثيرون ظفرت علا بمجموع يؤهلها لتحقيق بعض أحلامها «6,98%» .. «أريد أن أصبح طبيبة» هكذا تجلى طموحها وهي تبادل أباها لحظات من الفرح، أما هو فقد أبقى مختلف الأبواب مفتوحة، وراح يبحث عن جامعة تؤمن لها دراستها.

وفي منتصف الطريق قررت علا السفر إلى بلدها لتكمل الدراسة الجامعية هناك ثم تعود بشهادة الطب، وفي تلك الأثناء فُجعت العائلة بمرض ألمَّ بوالدها الشاب الذي لم يتجاوز بعد 45 عاماً، وبينما علا تواصل دراستها في الطب وتسابق الساعات لتصبح خير طبيبة تسهر أملاً في علاج الوالد المريض، ظل الأب يتنقل من مستشفى إلى آخر هنا في الإمارات، وحالته تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وفي منتصف دراستها قرر الأب أن يسافر إلى بلده ويمضي ما تبقى له من العمر برفقة ابنته الوحيدة التي لم يعتد البقاء دونها يوماً. من جديد يلتم شمل العائلة وتعود ابتسامة الطفولة والبراءة على الوجوه إلا من مرض لا يزال يلقي بأعبائه الثقيلة على قلوب الجميع.. أنهت علا سنوات كثيرة من دراستها، وأصبحت على مشارف التخرج بشهادة الطب التي اختارتها منذ البداية، وفي المقابل تبدو حالة والدها أكثر سوءاً..

وصبيحة أحد الأيام سقط أحمد مغشياً عليه، الجميع يتقاطر على المستشفى وعلا تمسك بيديه، فيما الدقائق والساعات تستفز العيون فتذرف دموعاً، وجاءت المفاجأة الصاعقة «توفي أحمد قبل أن يرى شهادة ابنته».

الصدمة لا تزال في أوجها رغم مرور أكثر من ستة شهور على الوفاة، وبالتأكيد تمسك علا بقلب ينفطر حزناً على فراق والدها الذي رافق مشوار حياتها عن طيب قلب.

مفارقة حزينة أخرى تعيشها علا هذه الأيام وهي على مشارف تخرجها من الجامعة، حيث أنه يتوجب عليها إكمال «كورس خارجي وتطبيقي» في مجال دراستها، وقد وقع خيار إدارة الجامعة على الإمارات وتحديداً مستشفى راشد في دبي، أما علا وقد تعاظم الحزن في قلبها فهي تقول «كيف لي أن أعود إلى بلد رسمت فيه أبهى أحلامي.

حيث كان والدي يعيش، ووعدت أبي أن أعود إليه بشهادة الطب قبل أن يرجع إليّ مريضاً ويتوفاه الله.. لا أستطيع!، لكنني سأفعل وأهدي روح والدي شهادة كان يتمناها».

دبي ـ عنان كتانة