مقعدان فارغان إلا من شحنة انتظار سادرة في الفراغ أمامهما، وإلا مما استقر في الألواح المنشورة من أصلها.. أمها الشجرة.
من لهما وقد تجاورا في فسحة مفتوحة الجهات، في هيكل لبناء بكسوة جزئية مشرع الجنبات، بنيان بلا أبواب حاجبة، ولا نوافذ مغلقة، ولا جدران عازلة، ليس سوى مائدة..
ومقعدين معدين لشريكين يتطلعان للمدى في حظوة تذلل المحال. هما مقعدان في بحبوحة الوقت بعيدان عن لهاث التنافس البشري وجنون التسابق إليهما للاستحواذ، كرسيان متشابهان بسيطان كبساطة الأحلام القريبة. وهاهما في بساطة المكان متاحان لرائديهما، ورائداهما لا يأتيان.
هي هكذا المعطيات في الحياة.. حين هي تقبل عليك تعرض عنها، وحين هي تبعد عنك تلهث في طلبها ممنيا النفس بكسرة منها أو بلحظة فيها.. وستقبل ولو بنظرة إليها ومن بعد! كم الكراسي عزيزة، وكم هي غاية تنصب عليها الأنظار وترتسم الألقاب.
هاهما مقعدان أو كرسيان حران، سمها ما شئت فلا فرق بينها وهي تنتمي لذات الجذع الضاربة جذوره في الأرض. مقعدان ومائدة وشاطئ رائق وزرقتان ملتحمتان على إطلالة معشوشبة خضراء، هي فرصة لينهل الراغبون من معين الضوء والماء والهواء والشجر، فلا تستسلم لما يزين لك العزوف عنها أو المقارنة؟
هي المقاعد ذاتها لو وجدتها بلا رتوش مطرزة، ولا حواشي مبطنة، ولا وسائد مخملية. ولو وضعتها على رخام بلا كساء مفخم، ولا سجاجيد منسوجة ببطون العيون، ولا جدران مرصعة بأسقف طبقات.
فلا ترسل أحلامك لمقاعد منيعة مثقلة بالجهد والسهد وارتباط الوقت بلا فواصل، ومقاعد الاستجمام تحف بك وتخف إليك خلية البال، وهي باقية على أهبة البساطة والانتظار كانبساط الرمل والبحر والسماء، ولك بها مطلق الحرية ولك منها مطلق الآمال.
فاطمة الهديدي
