قصة تقترب من الخيال، أو لعلها قليلا ما تحدث أو أنها تحدث لكن في ظروف أخرى. في أورقة إحدى المحاكم كان رجلا عجوزا يستند على احد جدرانها مكسور الجانب ومثقل الخطى أو كما نسميه «الشيبة». ويبدو انه اعتاد اللجوء للمحكمة كلما أحس بظلم زوجته وأبنائه له.
كانت الدموع تسيل من عينيه، ولم يخفها ولم يتحرج أو يتحسس من انهمارها بل أطلق لها العنان، فانسابت كسيل لواد باغتته الأمطار الغزيرة فجأة، ما دفع دموع الشيبة هو عقوق أبنائه وبناته، بل وزيادة على ذلك التلفظ عليه بألفاظ نابية بلا رحمة ولا حياء.
لم يخطر في بال الرجل المغلوب على أمره يوما اللجوء للمحكمة لمقاضاة أبنائه، لكنه فعل لشدة التعذيب والقسوة التي وجدها منهم، فنفد صبره ويئس من برهم على الرغم من محاولات المصلحين.
فأصبح وحيدا يعيش في ملحق خارج المنزل لا يجد عناية من احد ولا رعاية. كان الشجار مع أبنائه يعلو كلما حاول الدخول لمنزله والاستقرار فيه، ويتكرر على مرأى ومسمع من زوجته أم أولاده.
كان الشيبة طوال خمس سنوات يتردد على المحكمة ليطالب بالقليل من الرأفة والتسامح بعدما وقع أسير المرض والحسرة، وأبناؤه يعدون المحكمة بحل الأمر عائليا على وجه السرعة.
ولكن الحال يبقى على ما هو عليه وكأنه يعجبهم، فهم يأخذون كل حقوقهم منه كأب وكزوج كان قد ظلمهم وظلم أمهم عندما كانوا صغارا حتى أنهكه المرض على حد وصفهم فامتنعوا عن الالتزام بأي مسؤولية تجاهه، واخذوا يضربونه كلما غضبوا منه، ثم يتركونه مريضا وقذرا كلما تعبوا أو ملوا.
بعد سلسة من السجال والشجارات داخل أروقة المحكمة التي يلجأ لها العجوز كل مرة وخارجها، وفشل محاولات المصلحين من المعارف والأصدقاء والتي دائما يكون الحق في صف «الشيبة».
واستمرار تعنت الزوجة، وتشبث الأبناء بموقفهم من أبيهم ورفض مسامحته ونقله إلى داخل منزله.. وصلت الأمور إلى طريق مسدود، واستحال الحوار بين الطرفين، فما كان من العجوز إلا أن رضي بالأمر الواقع وانصاع إلى واقع الحال.. لينهي هذه القصة بالاستسلام.
بعدما يعجز صوت العدالة أمام سلطة ظالم كان بالأمس مظلوما، وأنت تتصور مشهدا سابقا كان هذا المظلوم اليوم هو نفسه ظالم بالأمس يحمل على والديه العصا، تراوح بين الشفقة وبين التجاوز، تتحاشى أن تكون أقرب إلى معول الفساد وفريسة الانحراف الحتمي لسيناريو قد يتكرر في علاقة الآباء بالأبناء في المستقبل.
ما هي إلا حكاية من الواقع فعلا، لظاهرة خطيرة تنبئ بخطر قادم ما لم تتخذ حيالها سبل الوقاية، ألا وهي منهاج التربية السوية المستمد من تعاليم الإسلام السمحة ودين الرحمة.
فكم شهدت مراكز الشرطة وقاعات المحاكم دعاوى بسبب قيام بعض الأبناء بالاعتداء على والديهم بالضرب أو السب والشتم أو الطرد. ومواقف لا يجد المرء لها تفسيرا إلا أنها دين يقتصه التاريخ من الأبناء وقد شاخوا في حياتهم، عما فعلوه بآبائهم.. فكما تدين تدان.
ناهد مبارك
