خضبت أناملها بالحناء العبقة، ودخلت من باب الأمس، فأخذت أداة عبقرية من ابسط المتاع المتاح، وبدأت عزفها على خيوط من فضة ونسيج من ذهب أبيض.
عزف ليس له أنغام لكنه يصدح في الأسماع يسمع الحواس كلها، ويختص بالعيون يشبعها من ذائقة الإبداع العريق تحفا لأثواب مرصعة بالابتسام والرضا والكثير من الكلام، هو حديث بلا حروف أو كلمات تحكيه الأصابع في تناغم منتظم وماهر.من هناك إلى هنا..
كانت تجلس الفتاة بمعية الوالدة تلاحظ الأوتار اللينة وهي تتراقص على ترانيم النسج البدائي المتناوب في بكرات الخيوط الرقيقة، عندها تقترب الفتاة من عنوان الحكاية تلتقط الألوان المفضلة.
تجمعها تنسقها في باقة منسجمة مع سردها الخاص، وتبدأ الأنامل تتحرر متقافزة على الخيوط الوترية تتخللها في تراتبية مدهشة تجتاز بعضها بعضا بلا توقف ولا اختلال، تحيك حكاية تلو حكاية، وتحيك ثوبا للحكاية.
فيستطيل السرد وتطول الحكاية، وأما الحياكة فتخلص بشرائط براقة من خيوط الفضة والحرير، تنسدل ثم تتكوم ببطء أسفل قاعدة الأداة المعدنية البدائية.. العبقرية.
فهي ليست سوى وسادة اسطوانية من قماش محشو بالقطن، وعلبة من صفيح معدني فرغت من محتواها فأعيد استخدامها، ولاحقا صنعت من معدن مخصص لتصبح أداة لخدمة ذاتية بديعة، تسمى (الكاجوجة) لصنع (التلي) نسيج من خيوط الفضة والحرير أو القطن.
تطريز تقليدي بأسلوب فذ، تتفاخر به النساء وقد ازدانت صدور أثوابهن والأكمام ببهائه، وبريق من فضة صنعته أياديهن والأنامل الماهرة بدقة في أوقات الفراغ، لمناسبات الأعياد والأفراح وخصوصا الزفاف.
فاطمة الهديدي
