حضنُ أمي بحنان أوردتها وفيض مشاعرها بنبض الشريان.خُبزُ أمي (الخمير بالعسل، واللقيمات بدبس التمر ومذاق البلاليط المحلى) تشتهيه النفس من يديها وتترقبه.وعلى موقد الشوق وتجمع أخوتي حول فنجان قهوة يفوح عبقه في الجهات الأربع في يوم شتوي بارد تضمنا.

أطفالنا عند ربكة ضحكاتهم، وابتسامة لا تفارق محيا الأماكن، تدعونا لغرفة نلوذ إليها من صقيع الشتاء والبرد، وآلام غربة يرافقنا نظر الوالدين. الصمت ذلك الفعل المتبقي للرسوخ على أرضه وقت ضجة التعب وإرهاقنا بالثرثرة معا.

أحلامنا القديمة متربعة على عرش الذاكرة، متقافزة بيننا، وأمنا تقلب الطعام بإيمان الواجب وسط الإناء وهي في ملكوت الإصغاء المتبسم لأحلامنا.

طفولة سعيدة من نبع التدفق الأبوي العفوي، والتقاء الأنفاس من الجيرة على بساط الرحب، تفيض من منزلنا القديم، وتعبر النافذة المطلة على الحب الأول الخالي من شوائب الألم والعذابات المتشرنقة مع خيوط الأسى والخذلان.

العودة إلى ماض محملة بكل حذافيره وجذوره عند اصطدام محيطات البساطة والأصالة بأمواج الحداثة والتقليد، وفروقات بين أمسنا بل أمسهم، وبين اليوم بل يومنا.

تلك الرمال الذهبية وذكرى الانطلاق بأقدامنا الحافية على تلال الحب ولم ندرك أنها تلال الشقاء.

همسة ود من ثغر محب تلاشى في غفلة الأيام، حين كان وشما متبقياً كبصمة على روح الجسد. وذلك المطعم الصغير كالمقهى، والذي جمعنا سنوات على مائدة الحب واللقاء بشقيقات الدم. شقيقات دخلن مفكرتي القديمة، لألوذ بها كلما اشتقت إلى زميلات المدرسة.

مسقط رأسي..هو الآخر منبع للدفء، فاستمد منه نشوة الفرح لعمر ربيعي يزيّنَ المناظر في داخلي يصيرها لوحة انتماء أسطورية.

والدي المرحوم بإذن الله..بيديه السخيتين، وعينيه التي رسمتا لنا وحولنا طريقا آخر من روحه الطيبة وقلبه الصادق كمسار مستقيم.

عمتي المرحومة إن شاء الله، ذات النفس النقية ونبض اهتمام متدفق لخلايا ذاكرتي حين تمدني بالحب والرعاية الكريمة على الدوام، ذلك هو الأمس، وهذا هو اليوم، فاستمد من منهاجهما ما يعمم السعادة والفرح بين أبنائي فتتحقق الأحلام.

ثمةُ أشياءُ دافئة، نتذكرها في لحظة غزو شاردة من الحياة، ندرأ بها لحظة تغيب عن الوعي.هي لحظات من الأمس باقية على مرأى النظر في الأفق البعيد، نحتاجها للاسترخاء بعد عناء الطريق الطويل، فنستحضرها للخطوات المتبقية من أعمارنا.

موزه عوض محمد