قرية كيفالينا في ألاسكا صغيرة جداً لدرجة انه ليس فيها فندق أو مطعم أو سينما، لكنها رفعت اخيرا دعوى قضائية يعتقد الخبراء أنها ربما تغير الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع التغير المناخي.
تقبع قرية كيفالينا، التي يقطنها نحو 400 نسمة من قبائل الإينوبيات، على جزيرة حاجزة، شمالي المنطقة القطبية الشمالية، وهي تتهم الآن 24 شركة وقود وكهرباء بالمساهمة في التغير المناخي، الذي تقول انه يسرع تآكلها ويهدد وجودها.
في الماضي كانت قطع الجليد البحرية الكبيرة تشكل حاجز حماية طبيعياً لساحل البلدة الهشّ، ابتداءً من شهر اكتوبر، لكن جانيت ميتشل، المسؤولة الإدارية عن كيفالينا، تقول :«مضى نوفمبر وديسمبر ويناير، ولم تتراكم قطع الجليد حول جزيرتنا بعد. ولذلك نعيش في قلق دائم خلال موسم الرياح العاتية».
وتطالب القرية الشركات المتهمة، بما في ذلك إكسون موبيل، شل أويل وغيرهما، بدفع تكاليف إعادة توطين سكان الجزيرة في البر، والتي يمكن أن تصل إلى 400 مليون دولار. ومع أن القرية تواجه معركة قانونية صبعة جداً، فإن القضية بدأت تكتسب زخماً كبيراً، خاصة مع ورود الأنباء عن رفع دعاوى بيئية مشابهة في أماكن أخرى من الولايات المتحدة.
وقد ورد في الشكوى الرسمية، التي تقدمت بها كيفالينا، ان صناعة الطاقة تآمرت «للتعتيم على المعلومات التي تربط» بين الانبعاثات الكربونية والتغير المناخي من خلال استخدام «المجموعات المقنعة»، والمنظمات الشعبية المزيفة والهيئات العلمية الوهمية.
ويذكّر هذا الادعاء بمضمون الدعاوى التي رفعت ضد صناعة التبغ، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى تسوية النزاع بموافقة الشركات على دفع تعويضات هائلة، فضلاً عن إقرار العديد من الأنظمة واللوائح الحكومية الإضافية لضبط نشاط تلك الشركات.
وإذا قدر للقضايا الحالية أن تصل حتى إلى مرحلة الاستكشاف، وإذا كانت صناعة الطاقة تملك رسائل إلكترونية ومذكرات داخلية محرجة، كتلك التي كانت لها نتائج مدمرة على شركات التبغ، فإن الدعوى التي رفعتها هذه القرية الصغيرة الواقعة على تخوم القطب قد تجبر الشركات الكبرى على الجلوس إلى طاولة التفاوض.
وتعتمد مثل هذه الدعاوي عادة على مبدأ في القانون العام يخص موضوع الإزعاج ، وهو نفس المفهوم الذي يتيح للشخص مقاضاة جاره، إذا صدر عنه أي إزعاج ،من قبيل الضجيج أو الروائح الكريهة أو ما شابه، بما تسبب في إقلاق راحة الشخص في مسكنه.
وفي سياق التغير المناخي، كانت مثل هذه القضايا تقابل بالاستخفاف والتهكم باعتبارها قضايا سخيفة، وسرعان ما سترفض المحاكم الأمريكية النظر فيها. وفي عام 2004، كتب سكوت سيجال، وهو محام يعمل لصالح إحدى شركات الطاقة، مازحاً في مقالة نشرتها مجلة«جريست» أن هذه القضايا أوجدت معنى جديداً لمصطلح «قضايا الإزعاج».
لكن الآن لم يعد الأمر مثاراً للسخرية أو الضحك. ففي تقرير نشر العام الماضي، قارنت شركة التأمين العملاقة «سويس ري» الدعاوى الحالية بالدعاوى التي أدت في الماضي إلى إفلاس عشرات الشركات المشتغلة في صناعة الأسبتسوس، وتنبأت بأن «تتطور قضايا التعويضات المتعلقة بالتغير المناخي بوتيرة أسرع من تطور الدعاوى المتعلقة بالأسبتسوس».
والجدير بالذكر هنا ان مشروع القانون الذي يهدف إلى كبح انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الذي تمريره في مجلس النواب الأميركي السنة الماضية، لم يحقق إلى الآن أي تقدم في مجلس الشيوخ، بينما لم تثمر المحادثات التي جرت أخيراً في كوبنهاغن أي نتائج ذات شأن.
وهذا الإحساس بالتراخي أوجد حالة من الإحباط دفعت العديد من الجهات المصممة على العمل من أجل خفض الانبعاثات الكربونية إلى نقل المعركة إلى أروقة المحاكم، كما يقول هارلود كيم ، المسؤول السابق في إدارة جورج بوش الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس المبادرات الإصلاحية في معهد تشايمبر الأميركي للإصلاح القانوني.
من جانبه، قال مايكل جيرار، الأستاذ كلية القانون بجامعة كولومبيا ومدير مركزها الخاص باقنون التغير المناخي، ان المساعي الأولى لمقاضاة شركات التبغ بدت ضعيفة أيضاً، «وخسر القائمون عليها بعض القضايا، لكنهم ظلوا يجربوا نظريات جيدة، إلى أن تكللت جهودهم بانتصار تاريخي كبير».
علي محمد
