تبقى حكايات الكفاح وأصوات النهامين ورائحة الخشب الذي عانق موج البحر، واستلقى تحت شمس الخليج، صوراً حاضرة لدى كل من عاصر الوطن واستنشق هواءه، أو حتى سمعها سرداً على ألسنة أبطال ذلك الزمن، «رجال الغوص واللؤلؤ» إصدار يوثق تلك الصور بأقلام شهود العصر الذين رصدوا حكايات على امتداد الساحل وفي عمقه.

يضم كتاب رجال الغوص واللؤلؤ للباحث الإماراتي جمعة بن ثالث والذي تولت إصداره هيئة المعرفة والتنمية البشرية بدبي بالاشتراك مع جمعية الإمارات للغوص بين دفتيه اثني عشر فصلاً، تغوص في أعماق المهنة، وتقف على رجالها ودانات ظفروا بها، وأشعار غنوها على ظهر السفن في رحلة الغوص التي تبدأ في شهر مايو من كل عام، ومذكرات جُمعت على ألسنة الرواة كجزء من التراث البحري للمنطقة.

في الفصل الأول الذي حمل عنوان نواخذة الغوص والسفر في دولة الإمارات، يستعرض المؤلف أسماء أشهر من عملوا في المهنة من مختلف إمارات الدولة، مُحصياً أكثر من 250 اسماً من رجال عملوا في مواقع مختلفة على ظهر السفينة، بدءاً بالنواخذة « قادة السفينة » والغاصة والنهامين منشدي الأهازيج البحرية على ظهر السفينة والسيوب وهم من يعملون على سحب الغاصة من عمق البحر، وأسماء تجار اللؤلؤ « الطواويش » وممولي سفن الغوص، وأشهرهم الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم ومحمد أحمد بن دلموك.

ويُوثق بن ثالث في هذا الفصل أسماء أشهر سفن الغوص الإماراتية وهوية مُلاكها ونواخذتها في كل من عجمان ودبي والشارقة وأم القيوين، ويُورد تفاصيل امتلاك تلك السفن من بيع وشراء، وأسماء السفن، مثل الصمعا والجالبوت والسمبوك، وهي الأكثر استخداماً لأغراض الغوص والسفر وأشهر ما ورد في هذا الفصل سفينة الباز لمالكها محمد سالم الروم والوسمي لمحمد بن مليح من دبي، والغاشمي للشيخ حميد بن عبدالعزيز النعيمي، والقيسي لأسرة الحمراني، وغيرها، وقد يكون المالك هو النوخذة، أو يختار نوخذة آخر ممن تتوفر فيه شروط الخبرة والمعرفة. ويذكر بن ثالث أصحاب التشاشيل وهي السفن التي تنقل الماء والأكل لسفن الغوص ومنهم عبدالله بن حميد بن ثاني وخميس بوزبر وماجد راشد بن كلّي السويدي وغيرهم.

تولد السفينة على أيدي الجلاليف ومفردها «جلاف»، وهم مهندسو وصُنّاع السفن، ومن يتولون إصلاحها وصيانتها، ويذكر المؤلف أشهرهم في إمارة أم القيوين، وهم سالم وإبراهيم ومحمد أبناء خميس عبيد بوهارون، وسلطان أحمد بن ربيعة، وراشد بن حضيبة وغيرهم.

تسعيرة اللؤلؤ

إذا كان الطواش مالكاً للسفينة، فإنه يُصنف من كبار تجار اللؤلؤ، وقد يكون الطواش هو النوخذة في رحلة الغوص، أو يلحق بها بعد بدء الموسم، وعند العودة فيما يُسمى رحلة القفال، يخرج الطواويش لبيع محصوله من اللؤلؤ في أسواق عدة، مثل دارين بالإحساء وبومباي وزنجبار وعدن وجزيرة سوقطرة، وبعض مدن الخليج العربي، ويؤكد المؤلف أن الطواويش هم من يتمتعون بوضع اقتصادي جيد، حيث تتميز سُفنهم التي يسافرون على متنها بالرفاهية وتوفر طيبات الطعام والماء البارد، خلافاً لوضع سفن الغاصة التي كان أصحابها أكثر شقاءً في رحلة طويلة، وإن لم يكن الطواش صاحب السفينة، فإنه يتعاقد مع النوخذة لشراء محصول السفينة من اللؤلؤ، ويلحق بهم بعد مضي فترة شهر، يقف قبلها على أسعار اللؤلؤ في السوق.

تخضع عملية تسعير اللؤلؤ لعوامل عدة، فحساب تسعيرة اللؤلؤ الطبيعي يتم عن طريق إيجاد ناتج ضرب مربع وزن القمح في المعامل، الذي يتم تحديده بطريقة معقدة هي مزيج من الشكل واللون والبريق والأصل، مع الأخذ بعين الاعتبار الجهة المُصدرة لها، ولعل أهم المحطات التي تجتمع فيها أثمن اللآلئ هي المنامة البحرينية، حيث تُفرز وتوزن وتُثمن وتُباع وتُشترى، قبل تصديرها إلى ميناء بومباي ومنها إلى أوروبا. واستخدم البحرينيون القدماء، مسحوق اللآلئ الصفراء في علاج العيون بعد مزجها بالكحل.

وحول أسعار اللؤلؤ يورد المؤلف جدولاً بأسماء اللؤلؤ وأوصافه وأسعاره تبعاً لسعر السوق عن جاو بومباي في البحرين عام 1906 حيث كانت تستخدم الروبية الهندية، وتشمل أنواع اللؤلؤ الوارد ذكرها اليك والسجني والسنجباسي وغيرها.

مذكرات السفر البحري

لم يُغفل المؤلف دور التراث الشفوي المنقول عبر ألسنة الرواة ومذكراتهم، في توثيق التاريخ ورصد أهم أحداثه، خليفة بن محمد الفقاعي أحد أبطال الفصل الرابع من الكتاب والذي حمل عنوان «مذكرات عن أيام السفر البحري»، الفقاعي سرد سيرته في مهنة الغوص، التي زاولها بين دبي ورأس الخيمة وموانئ عديدة، منذ كان صبياً لم يتجاوز الثامنة عندما بدأ السفر على ظهر السفينة، كما روى تفاصيل حياته في الهند، حيث قضى أكثر من 40 عاماً أنشأ خلالها مصنعاً للسفن، مستشهداً بدروس ومعارف لا يزال يدين لأصحابها بخبرته الواسعة في البحر، منهم النواخذة إبراهيم سامان وإبراهيم بو موسى.

كان لتلك الرحلات الطويلة إلى موانئ كالهند وإفريقيا بُعداً ثقافياً واضحاً في شخصيات النواخذة، ما يؤكده الفقاعي عبر إتقانه لغات عدة كالفارسية والأردوية، والهندية، واستعرض الفقاعي ملاك سفن من النواخذة في كل من دبي والشارقة وخورفكان ورأس الخيمة.

ويتحدث في هذا الفصل سيف محمد بالقيزي، من أشهر ملاك السفن والنواخذة في أبوظبي، وهو ضليع في صناعة السفن وصيانتها، أو ما درج تسميته في اللهجة المحلية «خدمة السفن»، ويُقال بحسب المؤلف «آشر» أي يصنع السفينة من الصفر، ويسرد بالقيزي بداياته في منطقة الراس بديرة ثم انتقاله إلى بر دبي بقرار تنظيمي بعد التوسع العمراني الذي شهدته المنطقة إثر تأسيس البلدية، ويروي تفاصيل جلب خشب السفن من ميناء كاليكوت بالهند، وأشهر أنواعه «الساي» وأفضلها.

حيث أنه لا يمتص الماء ولا يسرّبه، ونوع آخر استُخدم لصناعة السارية «الدقل»، يُسمى «فن عين»، وأنواع أخرى دخلت في تكوين السفينة بمختلف أجزائها، ويذكر أنواع السفن الأكثر شيوعاً في رحلات الغوص وعلى رأسها السنبوك والجالبوت والصمعا والبقارة والغيرب والشاحوف، أما البتيل فكان وجوده نادراً، فلم يملكه في دبي سوى سردال الغوص المعروف حميد بن خلفان البسطي، وشاع استخدام البتيل في مناطق رؤوس الجبال أو للضغوة « إحدى طرق صيد الأسماك ».

في الفصل الخامس من «رجال الغوص واللؤلؤ» يفرد المؤلف مساحةً لا بأس بها لعلم الملاحة البحرية والرياح عند البحارة والمسافرين، وأول ما يستعرض هي البوصلة، والمُسماة محليا بالدّيرَة، وجمعها ديرات، يستعين بها البحارة في معرفة الجهات، وتتنوع أحجامها ومنها الثابت والمتحرك.

وتتجه إبرة الدّيرَة إلى الشمال، وتشمل أربع اتجاهات رئيسية، الياه « الشمال » وقطب « الجنوب » ومطلع « شرق » ومغيب « غرب»، وقسم الملاح العربي أحمد بن ماجد قرص الديرة إلى 32 قسماً، تمر بنقطتي الشمال والجنوب، وتنعكسان على محور رأسي، هي الفرقد والنعش والناقة والعيوق والواقع والسماك والثريا والجوزاء والمرزم والإكليل والعقرب والحمارين وسهيل وسلبار بالإضافة إلى قطب والياه. ويورد المؤلف شرحاً لآلة الاسطرلاب، وهي باليونانية مرآة النجوم، وتستخدم عادةً لتحديد الأماكن وخطوط الطول ودوائر العرض ومواقع بعض المدن والأماكن الهامة، كل ذلك على قرص معدني مستدير مقسم إلى 360 درجة.

ويستعرض المؤلف في هذا الفصل أنواع الرياح التي تهب على الدولة ومسمياتها، مثل رياح الأحيمر التي يصادف هبوبها اصفري (الخريف) وهي فترة حرجة للأسفار البحرية، ورياح الشمال والغربي وشمال الثمانين من الشتاء، وأربعين المريعي والتي يبلغ الشتاء فيها ذروته. ويعرّج على رياح الطوفان، وأنواعها وعلاماتها مثل الغبار والبرق والغيوم الركامية وارتفاع حرارة الماء، وظهور سراطين البحر. ويتضمن الفصل الخامس جدولاً بالأسماء المحلية للطوالع وفتراتها وأبرز ما ورد عن حالة الجو خلالها.

أمراض الغوص

بالرغم من المكانة التي يتمتع بها الغواص، باعتباره الأمهر بين من يعتلون ظهر السفينة، فإن حياته معرضة للخطر الدائم، وللإصابة بأمراض عديدة، أهمها الطنان الذي يصيب الأذن فيحدث ألماً وطنيناً ما يؤدي لانفجار الأذن وخروج الدم، حيث تتعذر معالجة ذلك المرض أحياناً، فيُحال الغيص للعمل على ظهر السفينة سيباً، ويصاب الغاصة بأمراض أخرى كالصرع، من جراء الغوص في البحار العميقة، وما يشاهدون من مناظر وكائنات مُفزعة.

وجرت العادة أن يتم الاستعانة بمطوع على كل سفينة، وقد يُصاب الغاصة بالسّمط، وهو مرض جلدي، ينتج عن بقائهم فترات طويلة في البحر، فتتأذى جلودهم ويظهر عليها الطفح والقرح، وشرع الأهالي بمعالجة السمط الذي قد يستفحل بالغواص فيصل إلى عينيه، ويسبب له فقد البصر، فاستخدموا الشب وهو مطحون حجر الزجاج وقشور فاكهة الرمان والقرط فيضعها الغواص على جسمه بعد مزجها بالقليل من الماء. ويُصاب الغاصة بأمراض صدرية أخرى كالحشوة وهي حشرجة في الصدر، والكحة والسعال، والجروح والصدمات أثناء غوصهم، والشاقة وهو مرض شبيه بالشقيقة، والضر وهو مس الجن.

ويذكر المؤلف في هذا الفصل، مزايا الغواص ومكانته، الناتجة عن خطورة مهمته والمشقة التي يتعرض لها في العمق، ويحصل الغيص على ثلاثة أسهم من حاصل الأرباح شأنه شأن الربان، بينما يحصل السيب على سهمين، كما أن الغيص لا يعمل في السفينة أبداً، بل يقتصر عمله على الغوص، أما السيب فيتحمل أعباء أخرى.

بنادر الغوص

البندر هو المرسى، وجمعه بنادر، وفي الخليج العربي مراسي عديدة، ففي شماله تقع بنادر البصرة والفاو والفحيحيل وبندر وقناوة والخفجي وبوشهر والقطيف والخبر والدمام، وغيرها في قطر مثل أم سعيد والخور، وبنادر مضيق هرمز مثل باسيدو وهنيام وأبوظبي ودبي والشارقة وأم القيوين ورأس الخيمة وخصب وهرمز ومسندم ودبا وخورفكان، وبنادر ساحل مكران إيران وبلوشستان وساحل الهند الغربي وبنادر شبه الجزيرة العربية الجنوبية. أما الفصل الثامن فيرصد أشعار الغوص، ويجمع خلالها المؤلف القصائد والحكايات المرتبطة بها، والموروث الشعري الوارد على ألسنة الرواة، وتولى تفسير بعض مفرداتها المحلية.

الفصول من العاشر وحتى الثاني عشر، تغوص في الموروث اللغوي للمجتمع البحري، ويستعرض المؤلف في الفصل الثامن المصطلحات المستخدمة في صناعة السفن الخشبية موثقاً بعضها بالصور، والفصل التاسع يذكر مصطلحات الغوص واللؤلؤ، أما الفصل الثاني عشر والأخير فيجمع ما قيل في البيئة البحرية من أمثال شعبية. واستعان بن ثالث في جمع وإعداد «رجال الغوص واللؤلؤ» بست وعشرين مرجعاً، وثلاثون من الرواة المتعاونين.

عرض ـ أمل الفلاسي