لم تفكر إيرينا بوكوفا، 58 عاماً، بالسياسة إلا بعد سقوط جدار برلين، لأن آفاق السياسة كانت مغلقة أمامها قبل هذا التاريخ، لأن كل شيء كان يدور في فلك الشيوعية. دمعت عيناها فرحاً، ولكنها قررت أن تخوض كواليس السياسة التي كانت مقتصرة على النخبة الأيديولوجية.

هل كانت بوكوفا قادرة على أن تفعل كل ما فعلته في حياتها لولا جهود والدها؟

الجميع يقول إن إيرينا، المراهقة، كانت محظوظة لأن والدها كان يرأس تحرير صحيفة الحزب الشيوعي، وهي سلطة ثقافية لم تكن تتوافر لغيرها من الطالبات في سنها آنذاك. وربما هذا الوعي دفعها، بعد إنهائها الدراسة الثانوية، وهي مرحلة يتخبط فيها الطلبة في اختيار مستقبلهم، إلى الالتحاق بمعهد موسكو للعلاقات الدولية.

لكنها سرعان ما أدركت أن التقوقع في موسكو لن يكسبها الشهرة اللازمة، لذلك سارعت للحصول على منحة دراسية في جامعة ميريلاند الأميركية، وهناك فتحت لها أبواب كلية جون كينيدي في جامعة هارفارد، فتعلمت اللغة الإنجليزية وأجادت بها، وإلى جانبها تعلمت لغات أخرى مثل: الإسبانية والفرنسية والروسية لكي تمد جسورها إلى مؤسسات عديدة.

وذلك أهلها لأن تشغل منصب عضو برلمان لفترتين، ووزيرة للشؤون الخارجية، وسفيرة جمهورية بلغاريا لدى فرنسا والمغرب. كانت بوكوفا أول نائبة لوزير الخارجية والمنسقة الرئيسة لعلاقات بلغاريا مع الاتحاد الأوروبي في نهاية التسعينات قبل أن تصبح لفترة وجيزة وزيرة للخارجية البلغارية. لذا كانت ولاتزال تضع بلدها في أولويات اهتماماتها، وبذلت جهوداً متميزة في تعزيز التعليم والرعاية الصحية في بلدها الذي ساهمت في انضمامه إلى الاتحاد الأوربي.

ومن ثم انتخبت لمنصب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ـ اليونيسكو ـ حيث ساعدها على ذلك كونها عضوة في المجلس التنفيذي منذ 2007 ونائب رئيسة المجموعة الفرانكفونية للسفراء فيه. وبذلك أصبحت أول امرأة تشغل هذا المنصب وأول شخص من المنظومة الاشتراكية السابقة. آمنت بحقوق الإنسان من خلال عملها في لجنة حقوق الإنسان في البرلمان البلغاري وربما كان لذلك تأثير كبير في اختيارها لرئاسة اليونيسكو.

فهي تجمع بين الديناميكية والطموح إلى جانب ثقافتها الواسعة، كتبت عن التوترات العرقية في البلقان وتوسيع الاتحاد الأوروبي، ولم تكن تؤمن بصراع الحضارات الذي جاء به هنتنغتون كآخر موضة عنصرية. ولعل النظم الاستبدادية في النظم الاشتراكية جعلتها تفتح عينيها على أوروبا وأفقها الرحب، حيث تناصفت حياتها بين عهدين: الشيوعية وما بعدها، فتذوقت طعم النظامين، وتمكنت من تحديد موقفها تحديداً دقيقاً.

لم تكن تحفل بالمناصب، بل كانت تسعى لتثقيف نفسها، لأنها كانت تعرف أن المناصب دون معرفة لا تساوي شيئاً في عالم يكتظ بالتكنوقراط. لم تهمل التراث الثقافي غير المادي، وخاصة الموسيقى التقليدية البلغارية، وتعتبره جزءاً لا يتجزأ من الحوار القائم على أساس تنوع التقاليد والثقافات بين بلدان العالم

شاكر نوري