من اللافت أنه في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ترتفع معدلات الإصابة بسرطان الثدي بين النساء السود بنسبة 37 بالمئة عن متوسط الإصابات بين النساء البيض، لكن في شيكاغو، يصل الفارق إلى 68 بالمئة. وهو فارق مخيف بكل المقاييس، ما دفع الكثير من الباحثين إلى التفكير في أن ثمة شيئاً ما في هذه المنطقة مسؤول عن موت النساء المبكر بهذه الطريقة.

وبالطبع، فإن تدني مستويات خدمات الرعاية الطبية وفحوصات الكشف المبكر عن سرطان الثدي، تلعب دوراً مهماً في هذا السياق لكن، بحسب النتائج التي خلص إليها مشروع بحثي مشترك بين علماء الاجتماع وعلماء الأحياء.

فإن نوعية الحياة في هذه المنطقة، التي تضم بعض أعنف وأقسى الأحياء في الولايات المتحدة، ربما تتسبب بتغيرات بيولوجية لها صلة مباشرة بحالات الوفاة المبكرة.

وتشير النتائج المتمخضة عن ذلك التعاون النادر بين الباحثين الاجتماعيين والباحثين الطبيين إلى أن الخوف من الجرائم يسبب ارتفاعاً في مستوى هرمونات القلق، يمكن أن يؤدي بدوره إلى تغير البنية البيولوجية للخلية، على نحو يعزز نمو الأورام.

وتقول سوزان كونزين، من جامعة شيكاغو: «تظهر دراساتنا أن بيئتك الاجتماعية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر في صحتك، ويمكن حتى أن تتدخل في عملية التخلق الجيني. وهذا المفهوم جديد كلياً».

ومن اللافت أن هذا التاثير الداخلي أكثر ظهوراً بين النساء الأميركيات المتحدرات من أصول إفريقية في شيكاغو، واللواتي يعيش الكثير منهن في الأحياء الفقيرة المحرومة في المدينة.

وتسلط هذه الفرضية الضوء على الحاجة إلى اتباع طرق جديدة لمكافحة سرطان الثدي لدى النساء السود في شيكاغو، على وجه التحديد، بما في ذلك اعتماد أساليب التدخل الاجتماعي المباشر.

وعلى نطاق أعمّ، يمتدح باحثون صحيون آخرون هذا التعاون بين علم الأحياء وعلم الاجتماع باعتباره نموذجاً يحتذى به للدراسات المستقبلية في طيف عريض من مظاهر التفاوت الصحي.

وجاء أحد المؤشرات المهمة على أن العوامل الاجتماعية ربما تسهم في هذا الاتجاه المأساوي لانتشار المرض في أحياء السود، من مختبر باحثة علم الأحياء السلكوي مارتا مكلينتوك، أيضاً في جامعة شيكاغو.

فعندما وضعت مارتا عدداً من الفئران المعتادة على الحياة الاجتماعية في ييوت انفرادية، بحيث يعيش كل منها وحده من دون أي رفيق، لاحظت أن الفئران بدأت عموماً تموت مبكراً بسبب إصابتها بأنواع متعددة من الأورام.

ومنذ ذلك الحين، عكفت الباحثة على دراسة تلك الظاهرة بمزيد من التفصيل، وكشفت الشهر الماضي أن الفئران الإناث المعزولة تصبح أكثر انفعالاً وتنبهاً، وتزداد لديها مستويات هرمون القلق (الكورتيزول)، وتصبح أكثر بـ 3 .3 مرات عرضة للإصابة بسرطان الثدي من الفئران الأخرى التي تعيش في مجموعات.

سارا جيليرت، من جامعة واشنطن في سان لويس، بولاية ميزوري، كبيرة الباحثين الاجتماعيين العاملين على المشروع المشترك، دهشت لدرجة التشابه بين فئران مكلينتوك والنساء المنفعلات القلقات اللائي يعشن في أخطر الأحياء الجنوبية.

وقررت أن تتحرى لمعرفة ما إذا كان الانفعال والقلق النفسي والعزلة التي تعيشها تلك النسوة لها تأثيرات بيولوجية مباشرة في صحتهن أيضاً. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، قام فريق جيليرت بتجنيد نحو 230 امرأة سوداء من شيكاغو، ممن شخّصن حديثاً بسرطان الثدي.

للقيام باستبيان عام يجمع بين المقابلات الشخصية وتحليل إحصائيات الجريمة والأوضاع الأخرى في أحيائهن، إضافة إلى قياس مستويات الهرمونات في أجسامهن، ودراسة «خزعات» مأخوذة من أورامهنّ الخبيثة.

وتشير نتائج جيليرت إلى أن الخوف المقترن بالعيش في المناطق التي ترتفع فيها معدلات الجريمة، إلى جانب تدني مستويات الدعم الاجتماعي، يتسبب بفرط إنتاج هرمون الكورتيزول، كما حدث لدى فئران مكلينتوك المعزولة.

ويتسبب هذا التغير في نهاية المطاف في إضعاف قدرة الجسم على إفراز هرمون الحصر النفسي. وقد وجد الباحثون أن هذا يؤثر في المتلقيات الموجودة بسطح خلايا الورم على نحو يزيد نشاط جينات محددة تؤدي إلى زيادة حجم الورم بوتيرة كبيرة.

نتائج مثيرة

يرى الباحثون أن النتائج المثيرة للاهتمام التي تشير إلى علاقة الظروف الاجتماعية بقابلية الإصابة بسرطان الثدي تعني أنه ربما يتعين الجمع بين العقاقير الدوائية والتدخل الاجتماعي في برامج علاج المريضات في المناطق التي تعاني من انتشار أوضاع اجتماعية مزرية.

وربما يكون من الضروري التدخل اجتماعياً في مراحل مبكرة لمنع حدوث الأضرار الصحية في المقام الأول. والمؤكد أن النساء في أحياء «ساوث سايد» بشيكاغو بحاجة إلى رسالة أمل.

لكن تحويل الأمل إلى مزايا صحية ملموسة للأحياء الفقيرة المهملة في أنحاء الولايات المتحدة سيحتاج إلى إرادة سياسية على أعلى المستويات.