إنه ليزر، لكن ليس كالليزر الذي نعرفه. أولاً، يحتاج المرء إلى مايكروسكوب لكي يراه، ثم انه يتخذ شكل جسيم كروي صغير واحد يشع منه وهج أخضر، ولا يتجاوز طول قطره بضع نانومترات.

ورغم ضآلة حجمه، فإن مبتكريه يخبئون له خططاً كبيرة ويعلقون عليه آمالاً كبيرة، أبرزها أن يكون مفتاح تحقيق الحلم القديم المتجدد ببناء سوبركمبيوتر فائق السرعة يعمل على الضوء.

وهذا الجسم المنمنم المشعّ ليس سوى ناتج ثانوي آخر لميدان علمي جديد يعرف باسم «النانوبلازميات». وكما تسخر الالكترونيات الدقيقة سلوك الإلكترونات في المعادن وأشباه الموصلات على المستوى النانومتري، فإن النانوبلازميات تعنى بالحركة التواترية النانومترية لأجسام بالغة الصغر تدعى «البلازمونات» تقبع فوق وتحت سطح المعادن.

ولتصور ماهية البلازمون، تصور المعدن كبحر ضخم من الإلكترونات التي تتحرك بحرية في كل مكان. فعندما يصطدم الضوء، ذو الأطوال الموجية المناسبة، بسطح المعدن، يمكن ان يسبب تذبذباً شبيها بالأمواج في بحر الإلكترونات هذا، تماماً كما تحدث الرياح أمواجاً على سطح المحيط.

وهذه الأمواج الإلكترونية الجمعية ؟ أو البلازمونات ؟ تتصرف، من جميع النواحي وعلى جميع الأصعدة، وكأنها أموج ضوئية محتجزة في سطح معدني. تتوقف أطوالها الموجية على نوع المعدن، لكنها تقاس عموماً بالنانومترات.

وتقع تردداتها ضمن مجال التيراهيرتزات ؟ بما يعادل حدود النطاق الترددي للضوء من الأمواج فوق البنفسجية مروراً بالأمواج المرئية ووصولاً إلى الأمواج فوق الحمراء.

في عام 2003، بينما كان مارك ستوكمان، عالم الفيزياء النظرية وفريقه في جامعة جورجيا الأمريكية، يدرسون البلازمونات، خطرت له فكرة غريبة.

إن سلوك البلازمونات شبيه بسلوك الضوء، فهل يمكن إذن تضخيمها أيضاً كما يتم تضخيم الضوء؟ وفكر الباحثون بجهاز يشبه جهاز الليزر يقوم بمضاعفة البلازمونات المقدرة لتحويلها إلى أشعة قوية من البلازمونات تتذبذب جميعها بنفس الطريقة.

وبدا لهم، أن الفكرة قابلة للتطبيق من منظور رياضي بحت، ومن هناك كانت نشأة كلمة «سبيسر»، التي تتألف من الحروف الأولى من الكلمات الإنجليزية المرادفة لجملة «تضخيم البلازمونات السطحية عن طريق تمثيل الانبعاث الإشعاعي».

وأخيراً في أغسطس 2009، أعلن الباحثون عن إحراز تقدم كبير في الطريق إلى هدفهم المنشود، حيث تمثل لهم الحل للكثير من التحديات التقنية التي تقف في وجه الحلم الكبير في تصميم جسيم دائري مجهري لا يتجاوز طول قطره 44 نانومترا.

ويتكون من جزء مركزي بارد تحيط به صدفة من السليكا، مبقعة بالجزيئات الصابغة التي، عند تحفيزها بشكل مبدئي بواسطة شعاع ليزر خارجي، تتوهج بضوء أخضر.

ولم يكن هذا الإنجاز الوحيد في هذا السياق، ففي أكتوبر 2009، كشف مهندس ميكانيكي من جامعة كاليفورنيا يدعى سيانج زانغ وزملاؤه النقاب عن جهاز منمنم مشابه يسخر البلازمونات لإنتاج ضوء ليزري.

وحظيت تلك الابتكارات في حينها بتغطية إعلامية كبيرة لكونها تعتبر نوعاً جديداً كلياً من الأجهزة المشعة يتميز بكونه أصغر من أي نوع آخر وبكونه، يتطلب، نظرياً، كميات طاقة أقل بكثير من الأجهزة التقليدية.

وهذا بحد ذاته يعتبر تطوراً مهما جداً، لكنه ليس سوى واحداً من قائمة طويلة من التطورات الواعدة في هذه الميدان الجديد المثير لتطبيقات التكنولوجيا الليزرية.

لكن أهم من هذا كله ان تطوير أجهزة «السبيسر» أشعلت شرارة الأمل بأننا ربما نكون قد اقتربنا من تحقيق حلم البشرية الكبير، والذي شكل أحد أكبر الإحباطات العلمية في العقود الماضية- ألا وهو الوعد بتكولوجيا «الحوسبة البصرية» الخارقة.

والتي تعتمد على حقيقة إن الفوتونات الضوئية، بخلاف الإلكترونات، يمكن أن تحتمل التشويش الخارجي، وهي فوق ذلك سريعة جداً، وقادرة، نظرياً، أن تتحرك في أن أنحاء الرقاقة الحاسوبية بسرعة تقارب السرعات الكونية.

ومن المرتقب ان تحدث السبيسرات، حال تطويرها إلى الشكل الذي يتطلع إليه العلماء، ثورة تكنولوجية في الكثير من الميادين، بدءاً من الشاشات المسطحة والأجهزة الإلكترونية الدقيقة إلى تقنيات المختبرات الطبية وحتى علاج السرطان، كما أظهرت أحدث التجارب على الفئران المختبرية.

من الليزر إلى السبيسر

تتصادف هذه السنة مع اليوبيل الذهبي لريادة الياقوت في هذا المجال: ففي 16 مايو 1960، تمكن ثيودور مايمان، من مركز أبحاث هيوز في ماليبو بولاية كاليفورنيا، من تحريض حجر ياقوت اصطناعي لينتج أول شعاع ليزري على الإطلاق.

وتبع ذلك في السنة التالية، ابتكار أول جهاز ليزر ينتج الضوء من الغاز ؟ مزيج من الهيليوم والنيون. والآن بعد نصف قرن، لا يكاد يوجد أي ميدان من الأنشطة البشرية المتقدمة لا تعتمد على الليزر بشكل أو بآخر، من الأقراص الحاسوبية وأقراص الفيديو إلى تقنيات قص وثني المعادن وجراحات تصحيح البصر.

وكانت أجهزة الليزر الأولى تتألف من صندوق من المرايا يحتوي على وسط متلقي كالكريستال أو الغاز. وعندما تحريض هذا الوسط بالضوء أو بتيار كهربائية، تقوم الإلكترونات الموجودة فيه بامتصاص الطاقة، ثم إطلاقها من جديد على شكل فوتونات.

وتستخدم أجهزة السبيسر المبدأ نفس، لكن بدلاً من تضخيم الضوء بشكل مباشر، فهي تقوم بتضخيم البلازمونات السطحية، ومن استخدامها لتوليد الضوء.

إعداد: علي محمد