«همسات الذاكرة».. كتاب جديد للكاتب والإعلامي الإماراتي علي عبيد، صدر ضمن سلسلة إصدارات، عن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. هذا الكتاب يجمع بين الخاطرة والنص المفتوح والمقالة الأدبية، حيث يبدأ المؤلف بخط كتابه بين بداية أطلق عليها: أول الهمس، ونهاية هي: آخر الهمس.

وما بين أول الهمس وآخر الهمس، تختبئ همسات أخرى قصيرة وموحية ومكثفة لا تخلو من وعي فلسفي يبثها الكاتب في ثنايا نصوصه: «رحلة في ردهات الذاكرة وبين أروقتها..

استدعت صوراً كثيرة من مخزون رحلة العمر الجميل لتعيد إلى النفس توازنها الذي فقدته، أو كاد يهرب منها، وهي تعبر دروب الحياة بما فيها من انحناءات وصعود وهبوط وانكسارات. فهل تراها استطاعت أن تفعل ذلك؟.

الكاتب إذاً يريد إشراك القارئ بهذه الذاكرة، وهو على حق في ذلك، لأن ما يكتبه من شذرات عميقة ليست بعيدة عن محيط القارئ وهمومه، بل هو يصادف تلك الجواهر التي التقطها الكاتب من البحر بعناية المفكر وصياغة الأديب.

في أول الهمس، يتحدث لنا عن المرآة، ووجوهنا التي تنعكس عليها، وما تثيره تلك الصور من ذكريات. وفي آخر الهمس، يلجأ الكاتب إلى السكون«ليس بعد الهمس إلا الصراخ .. أو الصمت.. أما أنا فقد آويت إلى جبل من السكون..».يضعنا الكاتب بلغة أدبية شفافة في قلب الأشياء ولا أقول الأحداث، لأنها أمضى من أي حدث آفل أو عابر.

ففي «حاجز الزمن»، نراه يمزج بين آلة الزمن للكاتب الانجليزي ويلز، والأفلام السينمائية التي تعاملت مع الزمن ولا يكتفي بالحديث عن شكسبير أو بتهوفن ومدى تعبيرهما عن الزمن، ليقول لنا «لنطلق العنان لخيالاتنا نحن وأرواحنا كي تحلق في كل الأزمان وترتاد كل الأماكن التي تتوق إليها أيّاً كان موقعها من التاريخ والجغرافيا.

متى ما وجدت هذه الأرواح راحتها في التحليق وحيثما وجدتها». ومن الزمن ينتقل إلى «قليل من الفلسفة» فيركز على تعلق الإنسان بالذاكرة التي تصبح كالجلد اللاصق بالجسد، لا يقبل الفكاك أو الانفصال، فوحدها الذاكرة لا تشيخ لأنها غائرة في أعماق الزمن.

ثم يعود الكاتب في «تلك الأيام» إلى استشراف التغيير الذي طرأ على حياة البشر، ويقارن بين التلفزيون والألعاب الليلية وتقلبات الفصول. ثم يعود الكاتب إلى الحكايات التي كانت تملأ روحه، مستذكراً فيها نهارات «ديرة» وليالي «البراحة» و«العريش»، وقطرة الندى التي أيقظته من خدر النوم، وهو يحاول استعادة تلك اللحظة الآن ولكن عبثاً.

وهذه الطفولة لا تنفصل أبداً عن ذاكرة الخبز، فكم رغيفا من أرغفة أمه الساخنة تلك أكل الطفل الصغير في ذلك اليوم!، وعلى الرغم من كل أنواع الأرغفة التي وفدت إلى بلاده، يبقى مذاق طعم الرغيف الأول حاضرا إلى الأبد.

ويتذكر الطفل «مريم بنت سالم» المعلمة القاسية التي تدّرسهم القرآن الكريم، ولكنه ينتظر موكب «التومينة» الذي يطوف بخاتم القرآن على كل بيوت «الفريج» و«الفرجان» احتفالاً به وبعمله العظيم في الحفظ.

«ثمن المعرفة»:وهكذا يمضي الكاتب في نصوصه، مستذكراً كشريط سينمائي، تلك اللحظات المكتنزة بالتجربة والمعرفة: المدرسة، هجاء حروف اللغة الانجليزية، أول قلم رصاص أمسكه في حياته لكي يكتب، مكافأة والده في نجاحه في المدرسة الابتدائية الذي أطلق عليه «ثمن المعرفة»، والتي اشترى بها كتاباً، ثم المكتبة العامة في ديرة، وصوت العصافير..

سمفوينة المساء، وذاكرته عن المستشفيات والأطباء التي لا تخيفه، وشرح المعلم عن تكون المطر وذهاب ذاكرته إلى قصيدة الشاعر بدر شاكر السياب الشهيرة «أنشودة المطر»، وأول بريد وعنوان له وهو صندوق البريد، وأسرار البحر «وأجمل البحار» قصيدة لناظم حكمت، والحريق الذي شّب في مدينته دبي، ووجوه «السبخة»، ورحيل جدته ومرارة الفقدان، وسينما الوطن ..

أول دار عرض سينمائي تنشأ في دبي، والعبرة، وأحلام الطفولة، وحسابات الرياضيات. وبعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى ذكرياته عن أول عمل إذاعي له، وتحول مدينته الصغيرة إلى مدينة كبيرة مزدحمة، وانغماسه في التصوير الفوتوغرافي، وسر الفرح الإنساني وغيرها.

في النهاية، كتاب «همسات الذاكرة» يقدم تاريخاً آخر لمدينة نشأت وتحولت وتغيرت في عيون ذلك الطفل الذي كان .. الكاتب المبدع علي عبيد .

دبي ـ شاكر نوري