في عام 1558 استرد الفرنسيون مدينة كاليه من البريطانيين، الذين احتلوها لقرنين، وبدت ماري الأولى ملكة انجلترا في ذلك الوقت، في حالة من اليأس الشديد نتيجة ذلك، خاصة مع إعدام أكثر من ثلاثمئة شخص في عهدها بتهمة الهرطقة.
والآن من المرجح أن هذه الملكة تتقلب في قبرها، وكان يمكن أن تضحك ملء شدقيها لو كانت على قيد الحياة، نظرا لأن المسؤولين في هذه المدينة الواقعة على الساحل الشمالي لفرنسا، يفاخرون بأصولهم الإنجليزية، وذلك في محاولة منهم للاستفادة بصورة فورية من الألعاب الأولمبية التي ستقام في بريطانيا عام 2012.
ولربما ستشعر بقية فرنسا بالحداد، نظرا لأنه وقع الاختيار على لندن، وليس على باريس، لتكون المدينة المضيفة للألعاب الأولمبية، غير أن رئيس المجلس الإقليمي في كاليه دومنيك دوبليه يرى في هذا الاختيار فرصة فريدة لا تعوض.
ففي غضون دقائق من الإعلان عن اختيار لندن لاستضافة الأولمبياد، كشف دوبليه عن تصوراته للتعامل مع التطورات كافة. ووضع خطة جديدة لإيجاد مزيد من الدخل، والترويج للألعاب الأولمبية، من خلال محاولة اجتذاب اللاعبين والهواة والصحافيين إلى المدينة.
يقول دوبليه في هذا الصدد: «لقد قررنا أن نجعل من كاليه أكثر المناطق الإنجليزية نشاطا فيما يتعلق بالألعاب الأولمبية. وأنا أعني الإنجليزية لأننا نعتبر أنفسنا منطقة بريطانية».
وهذا الإعلان الفخور بتحول كاليه إلى منطقة بريطانيا مجددا، جعل السكان يرمقون دوبليه بما وصفه بنظرات غريبة الأطوار. فقد أمضى السكان في كاليه القرون الخمسة الماضية وهم يحاولون نسيان 200 سنة من الاحتلال الإنجليزي.
ومع ذلك يتجاهل دوبليه كل هذه الأمور، ويصر على القول إن جميع سكان كاليه لا يزالون يشعرون بأن فيهم عرقاً إنجليزياً، ويشير إلى أن المدينة لا تبعد أكثر من 29 كيلومتراً عن مقاطعة كنت البريطانية.
ويضيف أن المنطقة معجبة بذكرياتها عن الغزو الإنجليزي المسالم في القرن التاسع عشر، حيث وفر أكثر من 20 ألف إنجليزي عاشوا في كاليه الازدهار، وأنه شخصيا أحد الناطقين بالإنجليزية، من الذين تشرفوا بحضور إحدى حفلات الحدائق التي تنظمها ملكة بريطانيا.
ويؤكد أن السكان سيكونون أحسن حالا بفوز لندن بإقامة الألعاب، مما لو فازت بها باريس.ولا يكتفي زعيم المجلس الإقليمي بالإدعاء أن كاليه هي جزء طبيعي من إنجلترا، لكنه يؤكد بجرأة منقطعة النظير أنها منطقة متفوقة عن العديد من المناطق البريطانية.
فالفنادق زهيدة التكلفة، وتقل عن لندن بنسبة 30%. كما أن مطاعمها فاخرة، ومرافقها الرياضية مجانية. وعلاوة على ذلك يشير المسؤولون السياحيون إلى أنه يوجد في كاليه عدد من المواطنين البريطانيين أكثر مما يوجد في إنجلترا نفسها.
ويأمل هؤلاء أن الجدل الذي أثاره دوبليه في أحد جوانب حديثه بصورة دبلوماسية، سيكون حاسماً بالنسبة للناس الذين يعيشون وضعا مشابها في بعض مناطق العالم، كالأرجنتين ومقاطعة كيبك الكندية، الذين يشاركون الإنجليز في بعض العوامل، كعامل اللغة.
وتبدو هذه المراهنات عالية، وهي على المحك، بالنسبة لمنطقة تعرضت للفقر، منذ تراجع صناعاتها التقليدية وأنشطة التعدين في المناجم واضمحلالها، وهي تعاني من نسبة بطالة مرتفعة بصورة غير عادية، تبلغ نحو 6 .12%، وتزيد ثلاث نقاط عن معدلها في فرنسا.
وينفق المجلس الإقليمي نحو 100 مليون يورو (87 مليون جنيه إسترليني)، لتطوير منشآته الرياضية، قبل بدء الألعاب الأولمبية، ويأمل دوبليه في الحصول على نسبة دخل أعلى بكثير من الدخل الحالي على المدى الطويل.
ويقول إن السكان يرغبون بنقل صورة ايجابية عن كاليه، مشيراً إلى أن كبار رجال الأعمال بدأوا الآن يبحثون عن مواقع لمكاتبهم ومصانعهم الجديدة. وعملياً، من المرجح أن تثبت المنطقة أنها جذابة بالنسبة للرياضيين القادمين من دول أفقر، ويجدون لندن والمنطقة الجنوبية الشرقية من بريطانيا باهظة التكلفة في ما يتعلق بالإقامة فيها.
عمر حرزالله
