كجلمود صخر حطه السيل من عل وقع الرياضي ليكون رهين الكرسي المتحرك، ورهين عادات تنظر لموضوع الإعاقة نظرة العيب، حتى إن بعضهم يخبئ مصابه خوفاً من كلام الناس، لكن كل ذلك لم يقف عائقاً في وجه ضيفنا، بل بعزيمته وعزيمة زوجته والمحبين أصبح علماً خليجياً وعربياً.

إنه عيسى يوسف الوطني، من منطقة النعيم بالبحرين، مواليد 1949،الذي يقول: منطقتنا معروفة بأنها ساحلية والبحر يدخل بيوت بعض المنطقة، ونحن أطفال كنا نحب السباحة و«القلاليف» لصناعة السفن، وكل أهل البحرين يشتهرون بهذه الصناعة، وبعض أهلها عملوا ورش «نجارة»..

أهل النعيم مشهورون بالبحرين بأنهم قلاليف ونجارون وأنا درست في مدارس الحكومة طبعاً من الأول إلى السادس، درسنا في المدرسة السلمانية، وأول تسجيل لي في مدرسة الشرقية، درست سنة واحدة في مدرسة «بناية فيات» لتأخر تجهيز مدرسة السلمانية، انتقلنا إليها ست سنوات، ثم مدرسة الغربية، وأنهيت الإعدادية والآن يسمونها مدرسة أبو بكر.

انتقلت إلى الثانوي، وكنت خاطبا إحدى الكريمات من عائلة طيبة، واستمرت الخطوبة 11 شهرا. في المرحلة المدرسية كنت أعمل ولا أترك فراغاً من أجل مساعدة الوالد والعائلة.. عملت نجارا وسائقا، وفي القهوة والمخبز.

قصة الاعاقة

في سنة 1967 كنت أعمل عند احد المقاولين، وذلك في العطلة المدرسية، وحدث ما لم يكن في الحسبان، فقد تعرضت إلى صعقه كهربائية وأنا أعمل بالمثقاب الكهربائي، وكنت على علو بارتفاع عشرين قدماً، فقدت على إثرها الوعي، ووقعت على الأرض.

ما تسبب لي بفقدان الإحساس بأرجلي، وبعد سنة من العلاج في المستشفى غادرت إلى لندن للتأهيل في مستشفى ستوك مندفيل، بعدها رجعت وعملت في وزارة الصحة، بعدها نقلوني إلى مستشفى عسكري في الجفير للقوات البريطانية، بعدها نقلت إلى مستشفى النعيم، وبقيت فيها لمدة عام.. طبعاً في تلك الفترة أتكلم عن إحساسي عنها بالنسبة لخطيبتي..

كان وقع الحادث شديداً، ولكن الحمد لله تقبلت الوضع ورضيت بما قسمه الله، ووقفت لجانبي لمدة عام كامل وأنا في المستشفى، وأهلي توجهوا إلى أمير البلاد، رحمه الله، الشيخ عيسى بن حمد.

في تلك الفترة عرفت أنني أصبحت مشلولًا وأنا من الرياضيين الأوائل في ركوب الخيل، والسباحة، وأمارس كرة القدم، وكرة اليد، وكرة السلة، والملاكمة في الثانوي، وكان جاسم أمين أحضر قفازات، واشتركت في المسابقة، وكنت أحمل أثقالًا وجسدي مهيأ لأكون رياضياً، وهذا ساعدني على تحمل إعاقتي.

ووقوف خطيبتي معي جعلني أتقبل الوضع. في عام 1967 كان العلاج في البحرين لا يعرف إصابات العمود الفقري.أحد الأهل أراد إنقاذ الموقف توجهوا بملفي من المستشفى إلى أمير البلاد الراحل، وأعطوه نبذة عن حياتي بأنني شاب في مقتبل العمر، وأحتاج مساعدة، فأمر بإرسالي إلى بريطانيا في مستشفى متخصص على نفقته لستة أشهر، وكنت ملماً باللغة الإنجليزية، ولم يكن معي أي مرافق.

وصلت مستشفى ستوك منفيل المستشفى التي تعالجت فيها.. كانت إدارتها على اتصال بمستشفى النعيم، وكان أحد الإخوان الذين يدرسون هناك هو الذي اخذ التقرير وأرسله إلى المستشفى، وهو الأخ جواد حبيب، وهو صاحب مؤسسة كبيرة في البحرين الآن.

في يوم توجهت للعلاج وغادرت الأهل والأحباب، وكان يحدوني أمل أن أعود وأنا أسير، ولكن هناك تفاجأت بأن موضوع العمود الفقري صعب جداً، والمستشفى لايستطيع سوى تأهيل المعاق لتقبل الحياة الجديدة، بعد الإعاقة.

والحمد لله بإيماني وصبري تغلبت على الإعاقة، وبدأت العمل على تهيئة نفسي حسب «الكورس»، وتقلصت فترة العلاج من 6 أشهر إلى ثلاثة أشهر. وفي ذلك الوقت لم يكن المجتمع عندنا يتقبل فكرة المعاق. حتى بعض الأسر كانت تخبئ هذا الموضوع، ولكن تقبلت قضاء الله.

بطل مقعد

من بطل رياضي إلى مقعد كان الوقع صعبا فبادرت، ولكن الحالات التي رأيتها في المستشفى كانت مثلي وأكثر، وتفاجأت أن أحد الأشخاص إعاقته أكثر مني، وطلبوا مني الخروج بالسيارة.

وكان مع أخته، تفاجأت أن السائق هو المعاق الذي يرقد إلى جانبي بالسرير، وهو الذي لا يستطيع تحريك يده جيداً، بالنسبة لتأهيلي كموظف عندهم ورش مثلاً لعمل ميداليات والنجارة، أنا اخترت عمل ميداليات فضية وذهبية، وجاءتني الفكر في المستقبل أنه يمكن أن أجلب تلك الماكينة إلى بلدي، وأستعملها.

رجعت من العلاج للبحرين شوقاً للأهل، في المطار خطيبتي كانت موجودة، وتخطت حواجز الشرطة، بكينا ولم ندر بأنفسنا. كانت مستاءة، ولكن عندما رأت معنوياتي عالية انقلب الأمر.

في هذه الفترة كانت تتمنى أن تراني ماشياً، ولكن لا حول ولا قوة، تقول لزوج خالتي الذي أوصل التقارير: كنت أتمنى أن أراه ماشياً، فقال لها الأطباء: إذ مرت عليه 48 ساعة سوف يبتعد عن الخطر، ولكن ها هو الآن بيننا والحمد لله، ومصيبة أخف من أخرى.

هناك نقطة كانت لصالحي أن التقارير التي جاءت من بريطانيا توصي بعملي لأكون منتجاً وغير عالة، فبادرت وزارة الصحةّ وعينتني في الاستقبال».

زوجتي هي سندي

خلال سنة خطيبتي استأذنت من أهلها وتزوجنا، وسكنا في بيت الوالد..مكان صغير..لم نعمل عرساً بسبب الظروف..زوجتي مدرسة وأنا بدأت موظفاً بعد الإعاقة، صبرنا 7 سنوات..الناس يقولون: كان شاباً وانتهى، ولكنني إيماني بالله قوي..ووجود زوجتي الصبورة التي كافأها الله بأن رزقنا ببنت وولد».

«النادي الذي عشت فيه أحلى فترات حياتي كشاب منتج ورياضي، وجدت أنه لا توجد لي فرصة لزيارته أو العمل فيه، المجتمع منقسم بين من يتقبل الإعاقة أو لا، ومنهم من يتعامل معك بالعاطفة، وكلمة مسكين كانت تقتلني..أنا كنت أنتظر تشجيعاً».

أول من قاد سيارة يدوية

«كانت الناس تراني وأنا أسوق سيارة مكتوب عليها سيارة ذات قيادة يدوية، نحضر المناسبات مثل العرضة وغيرها..التقيت مرة الأخت أميرة بنت هندي..طلبت من أخوها صالح أنها تريد مقابلتي، وكنت مع زوجتي، ذهبنا إليها، كانت معاقة وأنا معاق، وتكلمنا عن بعض.

وهي في ذلك الوقت أنهت الثانوية، في هذه الفترة بعض الأخوات انهين دراسة الثانوية في الكويت، ومنهن حنان كمال، وطموحها تطبيق ما درسته على المعاقين، وأخرى لبنانية أليس معروف، وأيضا اختصاصها الأمور الاجتماعية، طلبت مني المقابلة، وكنت في العمل، التقينا وقالت:نحن بصدد تكوين مؤسسة أو ناد للمعاقين فما رأيك في ذلك؟

قلت لها:الحمد لله أنا عندي وظيفة وسيارة، وحسبت أنها أتت إلي لتقدم مساعدة ما، وأنا والحمد لله رغم وضعي إلا أنني أعمل وزوجتي تعمل، فهناك من هو محتاج، هكذا فهمت الفكرة منها، ولكنها أسهبت في حديثها وأنها تريد تأسيس ناد، ووافقت، وفي نفس الأسبوع بدأنا نتكلم ونجتمع.

وأول مرة كانت مجموعة من المعاقين وأصدقائهم المتطوعين، وأنا أخذت موضوع التطوع عندما كنت في المستشفى في ذلك الوقت، يأتينا طلبة ويرون المرضى الذين لا يعرفون أن يطعموا أنفسهم، فكانوا هم يساعدونهم..هذا بدأ يحرضني على التطوع وعمل الخير».

البحرين والحراك الدولي

أسسنا مركز البحرين وكان تابعاً للحراك الدولي في الخارج، في تلك الفترة بدأ النشاط، وكنا تابعين للحكومة، وعملنا المقر في نفس المكان الذي وقعت فيه في منطقة الجفير، وكان عبارة عن غرفتين، وكنا نعمل لجانا..

كنا نعمل في كل مناسبة وطنية نشارك لنثبت وجودنا، بدأنا نعمل برامج لجمع الأموال حتى نستمر، في 1981 بدأت السنة الدولية للمعاقين.وفعلاً تشكلت لجان من الدولة بالوزارات، وأتتنا رسائل من الوزارات أننا أعضاء، ومثلت لجنة وحضرت كل اجتماعاتها، وقررنا أن نزور أميركا، وكان الوفد يتكون من 30 عضواً.

ومنهم مكفوفون، وعملنا وجمعنا «فلوساً» ذاتية، وساعدتنا شركات الطيران والناس الخيرون، وسافر الوفد في برنامج العالم يلتقي في أميركا. هذا البرنامج عمله لنا الحراك الدولي.

الرحلة استمرت 10 أيام.في يوم الختام كل وفد يعمل برنامجاً خاصاً بشيء من بلده.عملنا لهم الزفة البحرينية القديمة، والكل أثنى على ذلك.عند العودة قابلتنا الصحف، وتكلمنا عن سفرنا ورحلتنا.طلب منا التلفزيون تصوير فقرة الزواج التي عملت في أميركا وبثت كأنها عرس بحريني متكامل».

المشاركة الأولى

«لأول مرة بدأنا نشارك في الرياضة، كوني رياضيا، استمر هذا الطموح معي، سافرنا إلى مستشفى ستوك مندفيل، شاءت الظروف بعد سنوات كثيرة أنني في سنة 1981 أسافر للمستشفى التي تعالجت فيها لتمثيل البحرين في رياضة المعاقين في رمي الجلة والقرص.

وكانت الكراسي التي بحوزتنا أو بالأحرى التي نستعملها جعلتنا محل سخرية، لأن كرسي المعاق الرياضي يختلف عن الكرسي الذي نستعمله.حضرنا معارض تعرض الأدوات والكراسي الرياضية، وكان لدينا طموح عند عودتنا أن نحاول توفير هذه الكراسي».

صور تحكي

«صوري فيها موضوع وقصة وهدف..موضوع يشغل الناس..شيء غلط ويحتاج تصليحا..صور غير اعتيادية، كنت عين المجتمع ـ عين عذاري سمعتها كبيرة، ولا يوجد إنسان في البحرين لم يسبح بها، وكانت متنزهاً وملجأ للناس، ولكن مرت عليها فترة بدأت تضمحل..الصورة لا تحتاج شرحاً مثل الزمن..

ولكن بعض الصور تحتاج شرحاً، أقمت تسعة معارض وما زلت أعطي، عملت كتاباً تصويرياً خاصا بالبحرين سميته «البحرين بين الأمس واليوم»، وقعت مع وزارة الإعلام على طبعه، وهذا بالنسبة لي خلاصة كل تجاربي في موضوع التصوير، وهو تشويق لأماكن اندثرت وأخرى تجددت منذ الستينات.

شاركت في العديد من المسابقات الخارجية والدولية، وقد فازت لي صورة في مسابقة الأبيض والأسود أقامتها جريدة كلف ديلي نيوز بالمرتبة الثانية، وكذلك فازت إحدى صوري عن النخلة في مسابقة البلديات بالمرتبة الثالثة.

وحصلت على عضوية إحدى المجلات اللبنانية في التصوير، وشاركت في المسابقة الإسلامية العالمية، ونلت شهادة تقدير، وأخذت بعض الصور لي بالنشر في بعض الكتب من مؤلفات بعض الكتاب، والآن صوري منتشرة في العديد من المواقع.

تجارب

«في حياتي الكثير من التجارب.. أنا قنوع وراضٍ شققت طريقي بالجهد والتعب والمثابرة، ووجدت جزاء ذلك ومرده في عائلتي والحمد لله، ولي ولدان؛ بنت اسمها شيماء مهندسة كما أسلفت، وولد اسمه حمد وهو في طيران الإمارات. السعادة لا تكون بالمال.

السعادة بالنسبة لي في عائلتي..إنجازات أبنائي، أن أكملوا دراستهم..هذا مبتغاي، ورضيت بما قسمه الله لي.وما حققته بالنسبة للمجتمع اسمي هو رصيدي. أنجزت رسالتي لبلدي، راضٍ كل الرضا، دون المقابل المادي.البحرين أعطتني الكثير ملكاً وشعباً، وأنا لا أستطيع عنها فكاكاً.

مشوار الحياة

عملت بوزارة الصحة منذ 1969 ـ 2003 والآن أنا متقاعد.

ــ وأنا أول من أحضر سيارة يدوية، وأول من مثل البحرين في رياضة المعوقين، ومؤسس للمركز البحريني للحراك الدولي (للمعوقين )، وشاركت في أولمبياد المعوقين في انجلترا سنة 1984 .

ــ ترأست وفد المعوقين في رياضة المعوقين في لندن سنة 1988 .

ــ ترأست وفد البحرين للمعوقين في أولمبياد هولندا في 1996 .

ــ ترأست وفد المعوقين في برلين في مهرجان الدراسات الفيزيائية سنة 1998

مثلت المعوقين في لجنة السلامة على الطريق منذ تأسيسها 1979 وحتى 2004 .

ــ من مؤسسي نادي التصوير الضوئي التابع لجمعية البحرين للفنون التشكيلية سنة 1986 .

ــ العضوية الشرفية للجمعية البحرين للتصوير الضوئي تحت التأسيس.

ــ حائز على وسام المميزين من الدرجة الثانية من قبل جلالة ملك مملكة البحرين.

مكرم من قبل أمير البلاد الراحل طيب الله ثراه.

الاول

«عقدنا اجتماعا في الهيلتون، بحضور وزير العمل الشيخ عيسى بن محمد، والحبشي، والأخوة حنان ومنيرة وعصام كمال وفاتن، ومجموعة من المعاقين والأصدقاء، فكانت بداية التأسيس أو انطلاقة شعلة المعاقين في البحرين لأول مرة».

المعاق مظلوم

سائقو التاكسي لا يوصلونني.. أحياناً

أضطر أن أمشي على شارع البديع..

رايت السيارة اليدوية في بريطانيا وأحضرتها الى البحرين لخدمة المعاقين

تنشر «البيان» حوارات أجراها تلفزيون دبي مع نخبة من الشخصيات المتميزة في مجالات متنامية على الصعيد المحلي والخليجي في برنامج بعنوان:

«وجوه عربية»

ــإعداد ختام البيطار

ــ إخراج حسين بن حيدر

اعداد ـ عبد المنعم الشديدي