أحْزَنْتَنِي يَا رَفيِقَ الْحَرْفِ إذْ سَمِعَتْ

أذنَايَ شَكْوَى كَوَقْعِ الكَيِّ بالنَّارِ

تَشْكُو السِّنينَ التي مَرَّتْ على عَجَلٍ

كَأنَّهَا أصْبَحَتْ نَهْبَاً لإعْصَارِ

فَقَدْ تَعِبْتَ مِنْ الِّترْحَالِ تَقْطَعُهُ

مَا بَيْنَ حَاضِرَةٍ مِنْهُ وَأقْفَارِ

سَئمْتَ مِنْهُ وَمِنْ طُولِ السُّرَى زَمَنَاً

حَتَّى كَأنَّ السُّرَى أضْحَى كَأكْدَارِ

مَلَلْتَ مِنْ طُولِهِ حَتّى اكْتَفَيْتَ بِهِ

وَالنَّفْسُ غارِقَةٌ في هَمِّ افكار

تَبْكِي مِنَ العُمْرِ ما قَدْ مَرَّ مِنْ زَمَنٍ

كَأنَّهُ قَدْ غَدَى فِي طَيِّ أستَارِ

غَابَ الرِّفَاقُ وَغَاضَ الأنْسُ بَعْدَهُمُ

لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ سِوَى أوْجَاعِ تِذْكَارِ

تَنُوءُ مِنْ وَعَثِ الأسْفَارِ تَذْرَعُهَا

حَتَّى غَدَتْ قِطْعَةً مِنْ لَاهِبِ النَّارِ

يَا مَنْ شَكَوْتَ اْلعَنَا هَمَّاً تَنُوءُ بِهِ

فَقَد شَدَوْتَ اْلهَوَى أنْغَامَ قَيْثَارِ

هَذِي الْحَياةُ فَلَا تَصْفُو مَشَارِبُهَا

أيَّامُهَا بَيْنِ إقْبَالٍ وَإدْبَارِ

لَا تَبْتَئِسْ أبَدَاً فَالْعُمْرُ أعْذَبُهُ

فِي هَذِهِ السِّنِ يَغْدُو فَيْضَ أنْهَارِ

يَا صَادِقَ الْوُدِّ وُدَّاً لَا شَبِيهَ لَهَ

يَنْسَابُ في النَّفْسِ مِثْلَ اْلوَابِلِ اْلجَارِي

يَنْدَى بِكَ الشِّعْرُ يَا مَنْ كَنْتَ فارِسَهُ

أسْقَيْتَ ظَامِئَنَا مِنْ عَذْبِ مِدْرَارِ

حَتَّى بَلَغْتَ الذُّرَى يَا شَاعِرَاً حِذِقَاً

تَهْمِي فُنُونَ المُنَى مِنْ فِكْرِ أحْرَارِ

تَصُوغُهُ كَالَّذِي نَهْوَاهُ مِنْ وَلَهٍ

تَزْهُو مَحَاسِنُهُ في لَوْنِ أزْهَارِ

كَاْليَاسَمِينِ تَبَدَّى في كَمَائِمِهِ

يَشْذِي المَدَى نَافِحاً مِنْ طِيْبِ أعْطَارِ

أشْرَبْتَنَا مِنْ قَرِيْضِ الشِّعْرِ رَيِّقَهُ

فَالْكَأسُ مُتْرَعَةٌ مِنْ فَيْضِ إسْكَارِ

أعْلَيْتَهُ رَايَةً فِي هَامِ شَامِخَةٍ

يَصْفُو بِهِ اْلحُبُّ مِنْ أدْنَاسِ أوْزَارِ

عَلَّمْتَنَا الشِّعْرَ مُذْ كَنَّاَ تَلَامِذَةً

عَلَى مَوَائِدِكَ اْلمَلْأى بسُمَّارِ

لَقدْ أفَدْتَ الدُّنَا شِعْرَاً نُرَدِّدُهُ

فِي مَسْمَعِ الدَّهْرِ أبْيَاتَاً بِإكْبَارِ

مَا انْفَضَّ سُوقُ عُكَاظٍ لَا وَلَا هَدَأتْ

بَلَابِلُ الشِّعْرِ تَشْدُو فَوْقَ أوْكَارِ

مَا دُمْتَ أنْتَ الَّذِي تَحْدُو مَلَاحِمَهُ

لَحْنَاً وَتَسْكُبُهُ في أُذْنِ أخْيَارِ

بَنَيْتَ مَجْدَ بَيَانٍ سَامِقٍ نَضِرٍ

مِثْلَ الكَمَائِمِ في أزْهَارِ نَوَّارِ

رَسَمْتَهُ صُورَةً ضَاءَ الجَمَال بِهَا

مِنْ نَبْضِ إبْدَاعِهِ يَحْدُو بِهِ السَّارِي

نَقَشْتَهُ بِدَعَاً مِنْ حُسْنِ مَا رَسَمَتْ

يَدَاكَ مِنْ زُخْرُف نَحْتًاً بأحْجَارِ

أنْطَقْتَ أحْرُفَهُ مِنْ نَبْعِ رَائِعَةٍ

مَنَ اْلبَيَانِ الَّذِي يَنْدَى بِأشْعَارِ

كَغَادَةٍ بَيْنَ أتْرَابِ الْعفَافِ زَهَتْ

في بِيئَةِ اْلحُسْنِ تَلْهُو بَيْنَ أطْهَارِ

غَنَّيْتَ لِلعَيْنِ لِلْأهْدَابِ فَاتِنَةً

حَتَّى تَرَنَّحَ عِطْفُ الضَّيْغَمِ الضَّارِي

فَأنْتَ يَا شَاعِرَاً أشْعَلْتَ جَذْوَتَهُ

حَتَّى غَدَا ألَقَاً مِنْ نُورِهِ اْلوَارِي

نَتَاجُ فِكْرِك فَوْقَ النَّجْمِ نَرْفَعَهُ

تَاجَاً يُضِيءُ لَنَا أرْكَانَ أسْوَارِ

يَا ابْنَ اْلقُصَيْبِي الَّذِي سَارَتْ رَكَائِبُهُ

تَجُوبُ أفْيَاءَهُ في كُلِّ أقْطَارِ

قَدْ غَرَّبَتْ شَرَّقَتْ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ

تُهْدِي لَطَائفُهُ يَا قُوتَ أحْجَارِ

يَبْنِي الأمَانِي الَّتِي صَارَتْ مُلَازِمَةً

لِشِعْرِهِ دَافِقَاً مِنْ عَذْبِ آبَارِ

أصْدَقْتَنَا اْلقَوْلَ فَيْضَاً مِنْ مَعَادِنِهِ

أبْعَدْتَ لُحْمَتَهُ عَنْ فُحْشِ فُجَّارِ

جَعَلْتَهُ كَالنَّدَى نَفْحَاً لِقَارِئِهِ

كَيَانِعِ الرَّوْضِ في آوَانِ آذَارِ

فَاهْنَأْ فِإنَّكَ في عَلْيَاءِ قِمَّتِهِ

فَوْقَ الذُّرَى قَابِضَاً هَامَاتِ أقْمَارِ

يَا نَاشِرَ اْلعِشْقِ بَيْنَ النَّاسِ أغْنِيَةً

يَشْدُو بِهَا اْلوَجْدُ في آذانِ سُمَّارِ

بِهَا تَسِيرُ رِكَابُ اْلقَوْمِ مِنْ طَرَبٍ

يُحْدَى بِهَا السَّيْرُ في وَعْثَاءِ أسْفَارِ

نَسَجْتَ لِلْحُبِّ أبْيَاتَاً مُفَنَّقَةً

تَغْرِيدَ طَيْرٍ عَلَى أغْصَانِ أشْجَارِ

شَدَوْتَ لِلْفِكْرِ لِلْإنْسَانِ مَا فَتِئَتْ

أبْيَاتُكَ اْلغُرُّ تَزْهُو مِثْلَ جُلْنَارِ

غَنَّيْتَ لِلْوَطَنِ المِعْطَاءِ مَلْحَمَةً

أحْلَى عَلَى السَّمْعِ مِنْ رَنَّاتِ أوْتارِ

أهْدَيْتَهُ مِنْ عُقُودِ الشِّعْرِ زَنْبَقَةً

تَبْقَى عَلَى الدَّهْرِ ذِكْرَى طُول أعْمَارِ

مَازَالَ أمْنِيَةً في اْلقَلْبِ تَحْضُنُهُ

تَحْمِي مَكَاسِبَهُ مِنْ كُلِّ أخْطَارِ

أُهْدِيْكَ مِنْ دُرَرٍ كَاْلَفْجرِ بَازِغَةٍ

أوْ وَرْدِ رَابِيَةٍ إبَّان أسْحَارِ

جَزَاكَ رَبُّكَ في الدَّارَيْنِ مَكْرُمَةً

مَنْ وَاسِعِ اْلفَضْلِ قِنْطَارَاً بِقِنْطَارِ

إنِّي لأَسْأَلَهُ مِنْ ضِيقِنَا فَرَجَاً

يُجْلِي نَوَائِبَنَا سُبْحَانَهَ اْلبَارِي