يمثل ديوان «حديقة الغروب» للشاعر السعودي غازي القصيبي مرثية ذاتية كتبها الشاعر إلى نفسه بعبارات مؤثرة مليئة بالشجن، وكأنه ينعى نفسه إلى نفسه وإلى زوجه وبنته وبلده.

الكتاب الصغير الذي حمل إحدى عشرة قصيدة كان مثار حوار في كثير من المنتديات الثقافية العربية، ولم تخلُ جلسات الأدب من الإشادة بشاعرية القصيبي الذي ينبه القارئ إلى الحياة كيف تمضي، طارحاً أسئلة الفلسفة والحكمة، وبطريقة تتداخل من خلالها أطياف الأيام، وقد حمل الديوان اسم «حديقة الغروب»، ثم قصيدة «بدر الرياض». ثم قصيدة «دمع الخيل» وهي في رثاء أحمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ثم قصيدة «محسون» وهي في وداع الدكتور محسون جلال، أما الخامسة فهي «حياة» في شقيقته حياة، والسادسة «لبنان»، والسابعة «عادل» في شقيقه عادل، أما الثامنة فهي بعنوان «شاعر البحرين» في تكريم الشاعر الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، بعدها قصيدة «عن امرأة نارية». أما الأخيرة فهي «يا أعز الرجال» وهي في رثاء يوسف الشيراوي، وكما يلاحظ أن الديوان جاء مرثية طويلة حضرت فيها مناقب الراحلين من أعزاء على قلب الشاعر، خلدهم بكلمات عذبة المعنى والمقصد.

الديوان جاء بـ 78 صفحة من القطع الصغير وأصدرته مكتبة العبيكان في الرياض.

حديقة الغروب

شعر: غازي عبدالرحمن القصيبي

خمسٌ وستُون..في أجفانِ إعْصَارِ

أما سَئِمتَ ارْتِحالاً أيّها السَّاري؟

أما مَلَلْتَ من الأسفارِ..ما هَدَأتْ

إلاَّ وألقتكَ في وَعْثَاءِ أسْفَارِ؟

أما تَعِبتَ من الأعداءِ..مَا برحوا

يحاورونكَ بالكبريتِ والنارِ

والصحبُ؟ أين رفاقُ العمرِ؟ هل بَقِيَتْ

سِوى ثُمالةِ أيامٍ..وَتِذْكَارِ

بَلَى! اكتفيتُ..وأضنَانِي السُّرَى!وَشَكَا

قلبي العناءَ!...ولكنْ تلكَ أقدَارِي

أيا رفيقةَ دَرْبي!..لو لديَّ سِوَى

عُمْرِي.. لقلت:فَدَى عينيكِ أعْمَاري

أحببتنِي..وَشَبَابي في فُتُوّتهِ

وما تغيّرتِ..والأوجاعُ سُمَّاري

منحِتني من كنوزِ الحُبِّ..أنفَسَها

وكنتُ لولا نداكِ الجائعَ العاري

ماذا أقولُ؟ وَدَدتُ البحر قافيتي

والغيمَ محبرَتي.. والأفقَ أشعاري

إنْ ساءلوكِ فقولي:كان يَعْشقني

بكلِّ ما فيهِ من عُنفٍ.. وإصْرَارِ

وكانَ يأوي إلى قلبي.. ويَسكْنُهُ

وكان يَحْمِلُ في أضْلاعهِ دَاري

وإنْ مَضَيْتُ..فقولي:لم يكنْ بَطَلاً

لكنه لم يقبّلْ جبهةَ العارِ

وأنتِ!..يا بِنْتَ فَجْرٍ في تنفِّسِهِ

ما في الأنوثة.. من سِحْرٍ وأسْرَارِ

ماذا تُريدينَ مِنِّي؟! إنَّني شَبَحٌ

يَهيمُ ما بين أغْلاَلٍ..وأسْوَارِ

هذي حديقةُ عُمْرِي في الغروبِ..كَمَا

رَأيتِ...مَرْعَى خَريفٍ جائعٍ ضارِ

الطيرُ هَاجَرَ..والأغصانُ شاحِبَةٌ

والوَرْدُ أطرقَ يبكي عَهْدَ آذارِ

لا تتبعيني!دَعِيني!..واقْرئي كتبي

فبين أوراقِها تلقاكِ أخباري

وإنْ مَضَيْتُ..فقولي:لم يكنْ بَطَلاً

وكان يمزج أطْوَاراً بأطْوَارِ

ويا بلاداً نَذَرْتُ العمْرَ..زَهرتَهُ

لعزّها!...دُمْتِ!...إنّي حان إبْحَاري

تركتُ بينَ رِمالِ البيدِ أغنيتِي

وعندَ شاطئك المسحورِ..أسْمَاري

إن ساءلوكِ فقولي:لم أبعْ قلمي

ولم أدنِّس بسوقِ الزيفِ أفكاري

وإن مضيتُ..فقولي لم يكنْ بَطَلاً

وكان طِفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري

يا عالِمَ الغيبِ!ذنبي أنتَ تعرفهُ

وأنت تعلمُ إعْلاَني.. وإسْراري

وأنتَ أَدرى بإيمانٍ مَنَنْتَ بِهِ

عَلَيَّ..ما خَدَشَتْهُ كُلّ أوْزَاري

أحببتُ لقياكَ..حُسْنُ الظنِ يَشْفَعُ لِي

أيرتُجَى العفُو إلاّ عندَ غَفَّارِ؟