كان التوقيت الذي اختاره موردوخ لاطلاق شكل جديد لجريدته العريقة التي ساهمت ببناء امبراطوريته «وول ستريت جورنال» هو الأفضل على الإطلاق. فمن خلال الإمكانات المادية الضخمة لنيوز كوربوريشن، يهاجم «السيدة الرمادية» في لحظة تعاني فيها هشاشة تفوق الوصف.
وعلى غرار الجزء الأكبر من وسائل الإعلام القديمة، تخسر نيويورك تايمز أموال الإعلانات بسرعة كبيرة لمصلحة الإنترنت، على الرغم من أن موقعها الإلكتروني يلقى رواجا كبيرا لدى القراء. ثم تتحدث تقارير الشركة الأم عن خسارة 335 ألف دولار في الربع الأول من السنة» وذكر قسم الأعمال في شركة تايمز أنها: «من أسوأ المراحل التي عرفتها الشركة والصحيفة».
تراجعت الإعلانات التي تشكل عصب حياة الصحيفة، بنسبة نحو 11 بالمائة، وهو «التراجع الأكثر حدة في ذاكرة المؤسسة»، كما كتبت نيويورك تايمز. تسعى الصحيفة حاليا إلى إلغاء مائة وظيفة من خلال عرض شراء عام طوعي، وعلى الأرجح أن خفض التكاليف سيستمر في الأشهر والسنوات المقبلة.
في المقابل، أطلق موردوخ العنان للإنفاق في وول ستريت جورنال، فعمد إلى تحسين مكتبها في واشنطن وسعى إلى اكتساب إمكانات إضافية في مجال الطباعة وينوي إطلاق مجلة فاخرة تصدر في عطلة الأسبوع سماها، دبليو أس جيه، على أن تتولى رئاسة تحريرها تينا غودوان، وهي بريطانية عملت في تايمز اللندنية التي يملكها موردوخ.
منذ البداية، لم يرد موردوخ إجراء تغيير جذري في شكل جورنال التي اشتهرت في السابق بصورها السوداء والبيضاء المرسومة بالحبر.
ومجموعة التغييرات في التحرير والتصميم التي أُدخًلت هذا الأسبوع وسوف يتم إدخالها تباعا، هي تطورية أكثر منها ثورية. غير أن التغييرات التي أجراها على الأرجح من أي من الإصلاحات السابقة في تاريخ الصحيفة الممتد 119 عاما، بما في ذلك استعمالها الصور الفوتوغرافية متأخرة في ثمانينات القرن الماضي وصولا إلى إعادة تصميم الصفحة الأولى الشهيرة عام 2002.
وفي ظل موردوخ، من شأن الأخبار عن السياسة والشؤون الوطنية والدولية أن تطغى على الصفحة الأولى بقدر الأخبار الاقتصادية التي تشكل ركيزة هذه الصفحة. وإلى جانب تغيير مجال التركيز في الصفحة الأولى، يعيد موردوخ بفعالية إطلاق القسم «أ» بكامله المخصص للأخبار العامة.
واعتبارا من يوم الاثنين، يتحول القسم الثاني، مكانا لنشر التغطية الخاصة بالشركات الأميريكية، في حين يبقى القسم الثالث، مخصصا لعرض الأخبار عن الأسواق المالية والاستثمار.
ويجري الإعداد لباب ثقافي من المقرر إطلاقه في الخريف في عدد نهاية الأسبوع من وول ستريت جورنال، كما أضاف موردوخ صفحة رياضية أسبوعية. وستخصص ثلاث صفحات بدلا من صفحتين لقسم مقالات الرأي الذي يشتهر بتبنيه الواسع الاطلاع والنافذ للإيديولوجيا المحافظة.
وبدلا من تكليف مرؤوسيه بكل هذه المهمات، كرس موردوخ نصف وقته لإعادة تصميم الصحيفة منذ أن اشترى داو جونز.
وقد أصبح حضوره منتظما ومثيرا للاضطراب في غرفة التحرير في وول ستريت جورنال، فمنذ وصوله بصورة غير متوقعة يوم عيد الفصح الذي صاحب عملية التجديد ـ كي «يكون قدوة» كما قال ـ جر كبار المحررين أنفسهم أيام الآحاد إلى مقر الصحيفة الذي يقع قبالة الموقع السابق لمركز التجارة العالمي.
يقول أرثور سيكيند، وهو مستشار رفيع المستوى لدى موردوخ: «ما يميز روبرت هو أنه بعدما قام بعملية شراء كبيرة، يذهب ويعمل ويجعلها تسير بالطريقة التي تريدها، ومن ثم يذكر المديرين بواجبهم».
قال موردوخ بينما كان يستعد للانطلاق في طائرته الخاصة إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في وقت سابق من هذا العام: «نشأت عند ركبة والدي». بعد وراثة أدلاييد نيوز من كيث موردوخ، وهو مراسل سياسي انتقل لإدارة شركة إعلامية أسترالية، أمضى روبرت السنوات اللاحقة في شراء الصحف ووسائل البث في أستراليا وإطلاقها والاستثمار فيها.
ثم صوب أنظاره نحو بريطانيا والولايات المتحدة. ففي إنجلترا، اشترى نيوز أوف ذا وورلد والصن والتايمز والصنداي تايمز. وعام 1973 اجتاز الأطلسي واشترى سان أنطونيو إكسبرس آند نيوز.
وفي السنوات اللاحقة، أطلق الصحيفة الصفراء، الناشونال ستار، التي تباع في المراكز التجارية، واستحوذ على نيويورك بوست ونيويورك ماغازين والفيلادج فويس وبوسطن هيرالد وشيكاغو صن تايمز (اليوم يحتفظ فقط بنيويورك بوست).
بالنسبة إلى موردوخ، كانت إضافة كل ملكية تحديا للوضع القائم، وهو مفهوم يشكل الآن أحد المواضيع الأساسية في حياته المهنية.
ففي كلمة ألقاها بلكنته الأسترالية القوية التي لا يمكن فهمها أحيانا أمام العشرات من مديري نيوز كوربوريشن الذين اجتمعوا في أحد مسارح مانهاتن في فبراير الماضي، كرر الشعار نفسه. قال لهم: «نتحدى من جديد الوضع القائم عبر إدراك القيمة المستمرة للموارد واستثمارها في المنشورات المطبوعة.
إننا نجدد الاسم الأعظم في الصحافة المالية في العالم». ثم غادر موردوخ مسرعا لحضور مزيد من الاجتماعات في جورنال. بعد ذلك تمت إعادة تصميم الموقع الإلكتروني الناجح جدا للصحيفة مع تعزيز النشاطات التفاعلية وإفساح المجال للولوج إلى مزيد من المقالات المجانية.
وأصبح لمراسلي جورنال ظهور بانتظام على شبكة فوكس بيزنس بعدما انقضت مدة الاتفاق الموقع مع «سي إن بي سي». (عن نيوزويك الأميركية).
