منذ أن خرج منتصراً من المحاكمة التي أعدها له الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، تنفس الصعداء، وبدأ يتهيأ لخوض غمار السياسة من جديد، متسلحاً بالشعر وبقامته المديدة، وشعره الأبيض الفضي. ولأنه أرستقراطي لم ينس شروط المبارزة، ولم يُخل بقوانينها، ولم يتخاذل أمام المحاكمة، بل ظل واثقاً من نفسه ومن براءته. حيث أرادها معركة فرسان لا معركة تصفية حسابات سياسية.

فقد حاول غريمه في الحزب الحاكم «الاتحاد من أجل الحركة الشعبية» أن يبعده عن عاملي السياسة والانتخابات المقبلة، لكن دومنيك دوفيلبان كان أقوى بحنكته ومهارته، وهو يدرك من يتربص به في كواليس السياسة المظلمة والشائكة.

مواقف الرجل الثورية ليست جديدة، بل تمتد إلى أواخر الستينات عندما كان الوحيد بين طلبة مدرسته في كاراكاس بفنزويلا الذي أعلن الإضراب تضامناً مع ثورة الطلبة.

وبعد أن عاش متنقلاً مع أسرته بين أميركا اللاتينية وإيطاليا والولايات المتحدة والمغرب. عاد إلى فرنسا ليستقر ويكمل دراسته، إذ التحق بالمدرسة الوطنية للإدارة التي تخرج فيها رموز النخبة الفرنسية، وفي عام 1977 انضم إلى «التجمع من أجل الجمهورية». ويُوصف بأنه ابن شيراك الروحي، حيث ظل مخلصاً لمبادئه ويحظى بثقته لأكثر من 25 سنة.

شغل دوفيلبان منصب الأمين العام للإليزيه، ووزيراً للداخلية ثم للشؤون الخارجية، واشتهر بإلقائه خطاباً تاريخياً ضد الحرب على العراق أمام مجلس الأمن في الأمم المتحدة في 14 فبراير 2003، إذ كان مغايراً لتلك الجوقة التي كانت تعزف أنغام الحرب على نوتة أسلحة الدمار العراقية الوهمية، لأنه كان يتسلح بغريزة الشاعر لا بدسائس السياسي. وهو من أوائل السياسيين المعاصرين الذين كتبوا الشعر، بل ومزجوا بين السياسة والشعر.

وقد صدرت له ست مجموعات شعرية، كما ألف كتاباً في النقد الأدبي «احتفاء بسارقي النار» وكتاباً آخر حول نابليون بونابرت. ويؤمن بأن هيمنة الشأن السياسي لم تمنع المثقفين والأدباء من إبداع أهم أعمالهم في ظل حكم الاستبداد.

لذا فهو يعشق المسرحي أنطوين أرتو، المجنون العاقل، والشاعر آرثر رامبو، أحد سحرة الأدب. وكذلك «موليير» و«لافونتين»، فالأول أبدع مسرحياته والثاني ألف حكاياته، ولكنهما بحثا عن بصيص أمل في عالم مستبد مظلم.

ما يميز المثقف في نظر دوفيلبان «عدم كفّه عن مساءلة كل ما يحيط به، ولا يتخوف من اقتحام المجهول، في عالم تهزه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية». والثقافة هي ملاذ الإنسانية وسلاحها لمواجهة كل الأزمات، لأنها توّسع فضاء حياتنا وتساعدنا على تحويلها إلى ما هو أفضل وأعمق.

دوفيلبان، يظل دائماً كما هو، يتألق بمنصب رئيس الوزراء، ويتألق أكثر بشعره وثقافته، وتبقى دواوينه في لائحة الشعراء الفرنسيين العظام الخالدين في ذاكرة الأدب والناس مهما هبت رياح التغيير على الحكومات والمناصب والأحوال. فالمواقف لا تتجزأ، والمواهب لا يقبرها غبار الزمن، والمتصالحون مع أنفسهم هم من يكسبون أخيراً ولو خسروا في البدايات.

شاكر نوري