لا يختلف الفرح في كل ثقافات العالم فهو واحد، ولكن الاختلاف يكون في التعبير عنه، وهذا ما يجعل للفرح حكايات كثيرة تقطع جميع اتجاهات الأرض لتتمدد وتطوف الأرض لتتحول معه حياتنا إلى فرح عارم رغم ما يعيشه العالم من أزمات مالية واقتصادية.

ومع بداية هذا العام كان العالم أجمع على موعد جديد مع الفرح والثقافة، فقد توج دبي التي تعد من أرقى مدنه عاصمة للفرح ليصدر من خلالها الفرح ليس للعالم العربي فقط وإنما للعالم أجمع، وخلال فترة قصيرة تحولت دبي رغم صغر مساحتها إلى رقعة تتسع لأطياف العالم أجمع لتثبت للجميع بأنها ليست مثل دول العالم الاخرى. فما أن يعلن كابتن أي طائرة عن استعداده للهبوط في مطار دبي الدولي، حتى تستشعر الفرح الذي يرتسم على وجوه القادمين إلى دبي، وما هي إلا لحظات حتى تبدأ «كاونترات» المطار في التحدث بكل لغات العالم، ليبدو مطار دبي وكأنه ضرب بـ «تسونامي بشري» يسعى جاهدا للحصول على الفرح في شوارع دبي التي لا تزال تنير الدرب أمام القادمين إليها من شتى أصقاع العالم، ليتجلى فيها شعار مهرجان التسوق «عالم واحد .. عائلة واحدة». لا تقصر دبي مع أحد أبدا، فقد استقبلت العالم أجمع بحفاوة بالغة اكتسبتها من الثقافة العربية وشهامة أهل البلد، لتبدو في حفل افتتاح المهرجان كعروس تنتظر فارسها، حيث زينت شوارعها بكل الأضواء الفاتنة وبأعلام المهرجان الفرحة وتحول كل شيء فيها إلى مسارح تقدم فيه ثقافات الدنيا بكل أطيافها.

عشرة عمر

من خلال عشرتي لدبي والتي تمتد لسبع سنوات مضت أصبحت أدرك كيف تهتم بالاستعداد للاحتفال بمناسباتها، فهي تحتفظ برصيد وافر في ذلك، ولكن في هذه المرة فقد كشفت عن عمق قدرتها على صناعة الفرح.

لقد كان علي في فترة المهرجان أن أتجول كبقية «خلق الله» في أرجاء دبي التي أعشق رائحتها، وأن أستشعر رائحة قهوتي في كل مكان، فمع بداية المهرجان كنت على موعد مع منطقة البستكية وبيت الوكيل ومنطقة الشندغة التراثية والسوق القديم وقرية التراث التي نقرأ فيها تاريخ دبي القديم، التي وجدتها وقد غمرت بالفرح.

مع رشفات القهوة كنت أحاول قراءة تعابير زوار المكان الذين جاؤوا يفتشون عن لحظات سعيدة مع عائلاتهم ليتابعوا اللوحات الإبداعية التي تقدمها الفرق الشعبية والفعاليات التراثية التي تعكس أصالة البلد وأهله وتعيد الماضي بلمسات من الحاضر خلال فترة المهرجان، لقد مرت أمامي العشرات من الوجوه التي اختلفت في ملامحها وألوانها واشتركت جميعا بذات الابتسامة التي لم تتمكن لفحات الهواء الباردة من إخفائها.

مسارح عالمية

لم تدم جلستي في مناطق دبي القديمة طويلا فقد انتهت مع آخر رشفة في فنجاني، فقد كنت على موعد مع شوارع دبي التي استوت جميعها لتتحول إلى مسارح عالمية تعرض عليها جميع ثقافات العالم نعرف بعضها وبعضها لا نعرفه، بدأت جولتي من شارع الرقة الذي كان من أوائل الشوارع التي احتضنت المهرجان في دوراته الأولى، ولكنه تألق كثيرا في هذه الدورة.

حيث تحول إلى مسرح مفتوح يستضيف فعاليات وعروضاً رائعة بدءاً من عرض رقصة التنورة المصري، وعرض مشاة العصي، وعروض فرقة المتزلجين، ومرورا بعروض المهرجين، وعروض التماثيل الحية، وعروض التشبه بالمشاهير، وعروض الأكروبات النارية.

وأخيرا عروض فنون البالون، ومن هناك انتقلت إلى شارع السيف الذي جمع عبر سوقه الليلي شتى ثقافات العالم، ومنه توجهت إلى شارع الضيافة، حيث يجتمع فيه الجميع لمتابعة فعاليات المهرجان وزيارة سوق الأقمشة الذي يضم أكبر وأعرق التجار.

من هناك كان علي العودة إلى بيتي، وفي الطريق اتصل بي أحد أصدقائي من أبو ظبي يطلب مني ترشيح مكان لزيارته في دبي، فقلت له دون تفكير ممشى «جي بي آر» الذي يحتفظ بمكانة خاصة في قلبي، فقد سبق لي وأن عشت فيه لحظات المهرجان.

ولم يكد يمر يومان على اتصاله حتى عاد لي مرة أخرى ليعبر لي عن مدى فرحته بالمكان الذي تحول في غضون فترة قصيرة إلى وجهة سياحية عالمية تجمع البحر والصحراء في مكان واحد وتحتضن العديد من المحلات التجارية والمطاعم العالمية، حينها قال لي صديقي: «إن عيون العالم لم تغب عن ممشى دبي فقد كانت حاضرة معي تتابع العديد من الفعاليات التي جمعت شمل العائلة الإماراتية والعربية».

واحة من الفنون

لقد تحول الممشى في مهرجان التسوق إلى واحة من الفنون الشعبية التي جذبت أطيافاً مختلفة من جنسيات العالم عربا وعجماً، فأبدع المهرجان من خلال 30 فعالية متنوعة أقيمت على مساحة لا يتجاوز طولها 7 .1 كيلو متر في جذب عيون المئات إليه الذين اعتادوا تدوين يومياتهم على مفكراتهم التقليدية والالكترونية، وأسرت فعاليات الممشى التي ضمت السوق الإماراتي، والحرف اليدوية، والأعراس، وكرنفال قافلة الجمال.

وغيرها زوار الممشى الذي ضج بالحياة طوال فترة المهرجان، وأصر على إعادتهم إلى بيوتهم بعد أن يعتمر الفرح قلوبهم جميعا. ما قاله لي صديقي إنما يؤكد بأن الفرح امتد كثيرا في دبي ليغطي فيها كل شبر بما في ذلك الحجر والبشر.

كثيراً من الأحيان أسأل نفسي «هل للفرح حدود؟» وفي كل مرة كنت أجيب لا حدود له، وقد أكدت الدورة الـ 15 لمهرجان التسوق صحة إجابتي، فعند الإعلان عن انطلاق فعاليات هذه الدورة كانت دبي مصممة على التحول إلى عاصمة للفرح والترفيه عبر 106 فعاليات عبر إدخال الفرحة في قلوب من فطرتهم أزمات العالم المالية والاقتصادية.

وبلا شك فإن ذلك يبدو واضحاً عندما ندرك بأن المهرجان قدم على مدار الأربع عشرة دورة الماضية 3 .1 مليار درهم جوائز للمتسوقين، منها 60 مليوناً جوائز نقدية، و643 كيلوغراماً من الذهب، و405 سيارات نيسان و1338 سيارة لكزيس كجوائز خلال 14 عاما.

وقد لا نستغرب كثيرا عندما نعلم بأنه اجتذب خلال الفترة ذاتها 35 مليون زائر، في المقابل لا تكاد نقاط بيع قسائم السوق الحرة أن تفرغ من أصحاب الحظوظ الذين دأبوا على شرائها في مثل هذا الوقت.

فقد سبق وأن أدخلت الفرحة في قلوب أكثر من 1390 مسافراً، وفي دورة هذا المهرجان ضاعفت السوق الحرة جائزة سحب المليونير لأولئك الذين يطلبون أكثر، فالسحب الكبير هذا العام للخمسة آلاف قسيمة سيعطي المشاركين فرصة كبيرة لربح مليوني دولار أمريكي.

سحوبات لكزس

الأمر ذاته ينسحب على سحوبات لكزس الكبرى التي تمنح الفائز سيارة فاخرة جدا من طراز «ال اس 460» و100 ألف درهم، كما وعد المهرجان زواره بأن يكون أحدهم يومياً على موعد مع سيارة نيسان.

قد يختلف الفائزون في قصصهم وأحلامهم وجنسياتهم وحتى مستواهم الاجتماعي ولكنهم يشتركون جميعاً في الفرح الذي انتظروه من عاصمة الفرح في مهرجانها السنوي، فما زلت أذكر حتى اللحظة ما قاله الفلبيني «الفريدو ميرندا» عندما فاز في أولى سحوبات نيسان الكبرى لهذا العام بـ «إنني مسرور جدا بفوزي بالجائزة التي أنتظرها منذ 10 سنوات». كل ذلك كان كفيلا بأن يقنعني بأنه لا حدود للفرح في دبي التي تستحق عن جدارة أن تكون عاصمة له.

فرحة الأطفال والمواهب

منذ نشأتها ودبي لم تغفل أصحاب المواهب الإبداعية، حيث أعطت الجميع الفرصة للتعبير عن فرحتهم من خلال مهاراتهم التي برزت في العديد من الفعاليات المقامة في الشوارع الرئيسية للمهرجان، فالبعض أبدع في تزيين الحناء، والرسم على الزجاج والوجوه، والبعض الآخر برع في فن الكاريكاتير والخط والرسم على السيراميك وتصميم وتزيين الأقنعة، لقد كشفت هذه الفعاليات عن عمق الاهتمام الذي توليه دبي للإبداع وأصحابه خاصة من فئات الشباب.

لا حدود للفرح في دبي، فما زلت أذكر كيف استطاعت شخصية «بن تن» الكرتونية التي أدهشت الملايين من الأطفال حول العالم أن ترسم الضحكة على وجوه عشرات الأطفال، وكيف تمكنت من إبهارهم في عروضهم التي أقيمت على الممشى.

ومناطق الألعاب الترفيهية الكهربائية وألعاب المهارة الترفيهية والألعاب المطاطية الترفيهية وغيرها، أصبحت الآن متأكدا بأن كل طفل زار دبي خلال المهرجان قد عاد إلى بيته حاملاً معه ضحكته وفرحه وأحلامه الصغيرة ليحدث بها أصدقاءه في اليوم التالي.

فرحة التسوق

لقد فاجأت دبي الكثير ممن أعرفهم والذين لم يتوقعوا ما شاهدوه في المراكز التجارية خلال زيارتهم لها في فترة المهرجان، لم يتوقعوا أن يعودوا إلى بيوتهم محملين بالهدايا وعشرات الأكياس.

فقد اكتست واجهات المحلات التجارية في جميع المراكز التجارية باللون الأحمر وتزينت واجهاتها بكلمة «تنزيلات» لتزرع الفرح في نفوس محبي التسوق، وما زلت أذكر ضحكة ذلك الرجل الذي وقف على إحدى نقاط خدمة العملاء في دبي مول بغية الحصول على قسائم السحب، عندما علم بأنه تمكن من استرداد ما دفعه من خلال قسائم «امسح واربح» التي خصصت لأول يوم في المهرجان.

في ذلك اليوم كانت دبي قد قررت مكافأة الجميع من خلال إعطائهم لفرصة الربح الفورية لجوائز تصل قيمتها إلى 50 ألف درهم، في تلك الليلة كان 600 متسوق على موعد مع الفرح.

تلك الجوائز لم تقتصر على اليوم الأول فقط، وإنما امتدت لتغطي أيام المهرجان جميعها، فلنا أن نتخيل كم سيكون عدد الفائزين في قسائم السحب، والكم الذي سيدخل في قلبه الفرح نتيجة ذلك.

طوال شهر كامل لم أكن وحدي على موعد مع فرح دبي وإنما الجميع، خلاله أثبتت دبي قدرتها على التحول إلى عاصمة للفرح تعطيه لكل من ينشدها، ولكل من يزورها عربيا كان أم أعجميا، ورغم أن ليل دبي لا يكفي لأن نحلم مرتين، إلا أن نهارها يكفي لأن نفرح مرات عديدة، وكما للحب والثقافة وطنا وعواصم، فإن للفرح وطنا ودبي عاصمته.

غسان خروب