تزخر الأسواق الشعبية الواقعة على ضفاف خور دبي بالحيوية لاحتوائها على العديد من المنتجات الرائعة من مختلف دول العالم وتباع بأسعار مناسبة وزهيدة، لذا فالإقبال على هذه الأسواق يعتبر مرتفعا، فبالرغم من عمر الأسواق التي تمتد إلى أكثر من مئة عام، إلا أنها لا تزال محافظة على هويتها التراثية وقيمتها التاريخية.
فهي المكان الوحيد الذي لا تتوقف بداخله حركة التبضع على مدار السنة، وتشهد انتعاشا كبيرا في كل موسم وتنشط الحركة فيه خلال فترة مهرجان دبي للتسوق وتعد من أهم الفعاليات التي تثير اهتمام الزوار، وذلك لحرصهم على الاطلاع على الوجه التقليدي لدبي، وغالبا ما يفضل الزائر للأسواق الشعبية استخدام العبرة للتنقل بين منطقة السوق القديم ومنطقة الراس، ما يزيد من تألق الفعاليات التي تحتضنها تلك الأسواق، جنبا إلى جنب مع استطاعتها ترسيخ صورة مغايرة عن نمط الحياة في دبي من خلال التفتح الثقافي والتواصل مع الآخرين من مختلف الجنسيات.
متحف بلدية دبي
يعد واحدا من فعاليات السوق القديم في ديرة، والزائر للسوق الكبير لا بد أن يشد انتباهه متحف البلدية الذي يطل على خور دبي، حيث يتناسب موقعه مع أهمية النشاط الإداري والتجاري الذي تلعبه البلدية، وقال يوسف سليمان، ضابط إداري بمتحف البلدية، إن البلدية تعتبر أم الدوائر التي تفرعت منها الدوائر الأخرى، فهي أقدم دائرة في دبي وشيد المبنى قبل عام 1957م، ويشهد إقبالا كبيرا من السياح على اعتبار انه يقع في سوق مشهور وتحرص الأسر والوفود السياحية على زيارته للتعرف إلى دبي القديمة، فهو يمثل الطراز المحلي القديم بالنسبة للمبنى.
ويحتوي على غرفة اجتماع للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، بالضيوف أو الوفود لمناقشة مشاريع دبي، ويضم صورا للمجلس البلدي في إحدى جلساته في عام 1971م، وخريطة دبي في عام 1960 ومجلات وصحفا قديمة أهمها «أخبار دبي» وأوامر محلية، كما يحتوي المتحف على إعلانات والقرارات المنظمة لتسجيل المواليد وتراخيص المحلات والمناقصات، إلى جانب اختصاصات البلدية في الماضي وخرائط موقعيه والأختام القديمة الخاصة بالبلدية ولمحة تعريفية عن مراحل تأسيس البلدية والتطور الإداري وغيرها.
التجول في السوق الكبير
تمتاز منطقة السوق الكبير وبالتحديد الأسواق الواقعة على شارع البلدية القديم مقابل خور دبي بكثرة الأزقة والممرات الضيقة، وتزدان معالمها بروعة التصاميم القديمة القائمة على النمط التراثي المحلي الذي يتميز ببراجيل الهواء والزخارف الخشبية والتجويفات وتشغل محلات التوابل والعطارة أو «الدويات» كما يطلق عليها باللهجة المحلية حيزا كبيرا منها، لتنتشر من خلالها روائح عطرة وذكية تميز المكان، وتكثر فيها أصناف البهارات الآسيوية والأعشاب والخلطات التقليدية التي تحظى بإقبال كبير للمشترين الأجانب والخليجيين على حد سواء.
كما تقع محلات الأواني المعدنية بين ثنايا وأركان السوق، واستنادا إلى قيمة مهرجان دبي للتسوق وما يقدمه من فرجة ممتعة يسعد بها الجمهور، بادرنا بزيارة السوق الكبير في ديرة وتجولنا فيه للكشف عن ابرز ما يباع فيها وأكثر المنتجات طلبا من قبل الزوار، ومن أكثر ما يشد الزائر لتلك الأسواق الأعداد الهائلة للوفود الأجنبية التي تجوب السوق ذهابا وإيابا، تتفرق في مجموعات صغيرة وبعضها يباشر في دخول الدكاكين بحثا عن أجوبة لتساؤلات تكمن في الاختلافات التي يتميز بها كل صنف من التوابل أو الأعشاب.
والبعض الآخر مشغول بالتقاط الصور التذكارية مع المارة أو أصحاب المحلات الصغيرة، مشينا قليلا وتوقفنا على جانب الطريق لإتاحة المجال أمام الفوج الأوروبي القادم من الاتجاه المعاكس، وخلالها التقطنا بعضا من الأحاديث القصيرة التي تمتم بها احد السياح مبدياً إعجابه باهتمام دبي بالأسواق القديمة بعد أن طغت الحداثة على أسلوب حياتها، وفي حديث عابر طالب احدهم البقاء لمدة أطول في السوق لاهتمامه في زيارة محلات الأدوية الشعبية والتعرف إلى العلاج القديم، وأحاديث جانبية أخرى بلغات غير مألوفة لم نستطع فهمها.
اعترض طريقنا احد الباعة الآسيويين الذي عرض قائمة لا تنتهي من المنتجات التي يبيعها، مستعرضا مهارته في الترحيب بالسياح بلغات يابانية وانجليزية وألمانية وفرنسية، قائلا إن سوق العطارة والتوابل تنتعش فيها حركة الشراء على مدار السنة، ما يعكس السمعة العالمية التي يتحلى بها السوق منذ سنوات، وردا على سؤالنا حول أكثر الجنسيات إقبالا خلال موسم مهرجان دبي للتسوق، أكد أن السياح الصينيين يغزون السوق في الوقت الراهن تليهم وفود من سنغافورة ودول آسيا الشرقية إضافة إلى الأوروبيين، لافتا إلى أن الألمان الأكثر شراء للأعشاب والزهورات.
كما يحرصون على اقتناء البهارات الهندية التي تشتهر بها الأكلات الشرقية، إلى جانب بعض الجنسيات الأوروبية التي تهتم بشراء أعواد الفانيليا الطبيعية، ولا شيء يضاهي حضور الأميركيين إلى السوق للشراء، حيث يقبلون على شراء غالبية المنتجات وبكميات كبيرة أهمها الزعفران الذي يباع بثمن باهظ في أميركا، لذا فالزعفران يحظى بالأولوية لديهم، إلى جانب الشاي السيلاني والإيراني والعربي المخلوط بالهيل والقرفة، جنبا إلى جنب مع الخليجيين منهم السعوديون والعمانيون الذين يحرصون على شراء اغلب احتياجاتهم من هذا السوق.
ملابس نسائية ورجالية
مضينا باتجاه احد الأزقة المليئة بالملابس الجاهزة، منها نسائية عصرية وتراثية تعكس الطابع التقليدي لدول منطقة الخليج، وأخرى شرقية بحتة تفوقها ملابس الأطفال ومستلزماتهم، وتقابلها محلات رجالية تفيض بالأثواب الخليجية الجاهزة وجميع اللباس العربي والأقمشة الرجالية والبدلات الرسمية الجاهزة، تعمقنا أكثر في السوق لتظهر محلات الآسيويين التي تعرف من سمات المنتجات المعروضة من ملابس وأغطية الأسرة والمستلزمات المنزلية، ويبدو أن غالبية الزبائن من دول افريقية وآسيوية وقليل من الوجوه العربية والأوروبية.
قادنا الطريق إلى منطقة الأقمشة التي تقع بمحاذاة سوق الذهب من الجهة الشمالية وعلى شارع سكة الخيل على وجه التحديد، وتشهد هذه المنطقة حركة دائمة تعج بالزوار الأفارقة والآسيويين جنبا إلى جنب مع العائلات الخليجية، وتقام التجارة في محلات الأقمشة على البيع بالتجزئة والجملة على حد سواء، وتتخذ بعض المحلات شعار البيع بالجملة فقط.
وتستقطب زبائن كثرا، ومن أكثر الأقمشة طلبا الهندية المطرزة والحرير المشغول والقطنية التي كانت موضة نساء الإمارات في السابق، فالمؤشرات تدل على عودة تلك الموضة من جديد وإحيائها نظرا للإقبال الكبير على اقتناء ألوان مختلفة منها، ناهيك عن الخام المستخدم في صناعة العباءات النسائية التي تبدأ أسعارها من 400 درهم ل25 مترا، حيث تختلف الأسعار باختلاف جودة القماش وبلد المنشأ، كما تكثر محلات بيع الأدوات المنزلية بالجملة والقرطاسية والعاب الأطفال على امتداد الشارع.
سوق الذهب
وعلى الطريق الداخلي لشارع سوق البلدية القديم تبرز محلات الذهب والمجوهرات، ويعد السوق من ابرز معالم التسوق المهمة في دبي، ويرمز إلى مكانتها كمدينة الذهب، وتهتم الوفود السياحية بوضع السوق في قائمة برامجهم السياحية، وتتنوع المعروضات الذهبية، فمنها الماركات التي تحمل أشهر العلامات في تجارة الذهب، والتقليدية التي تعبر عن تراث الإمارات والأنماط الهندية، إلى جانب المشغولات المزدانة بالألماس والمجوهرات الثمينة، فالحركة لا تتوقف في هذا المكان الذي تختلط فيه الوجوه العربية بالغربية والآسيوية والإفريقية.
التنقل بين ضفاف الخور
انتهت زيارتنا للسوق الكبير بديرة، وآثرنا الانتقال إلى منطقة السوق القديم باستخدام العبرة المكتظة بالركاب من مختلف دول العالم، واللافت للنظر تفضيل عدد كبير من الركاب استخدام العبرة كوسيلة نقل نظرا لرخص التعرفة وحفاظها على سلامة الركاب من خلال تجهيزها بوسائل السلامة من سترات نجاة، فتجد العامل البسيط يجلس بمحاذاة رجل الأعمال صاحب الحلة الأنيقة.
وحامل حقيبة السفر متخذا مكانا في مؤخرة العبرة تليه أسرة أوروبية لم تأل جهدا في التقاط الصور التذكارية خلال مشوار الرحلة القصيرة، وسيدة ذات ملامح غربية تحمل معها خارطة دبي وتمعن النظر في سائق العبرة الذي استعرض مهاراته في قيادة العبرة وهو يوجهها باستخدام قدمه، إلى جانب السياح اليابانيين وعدد غير قليل من الآسيويين.
محطة بر دبي
وفي اقل من 10 دقائق وصلنا محطة بر دبي، قاصدين من خلالها سوق دبي القديم ببر دبي، واستقبلتنا أكشاك الساعات والعطور والألعاب وبسطة لتصليح الأحذية عند دخولنا للسوق، وفي مدخل ثان له تمتد مطاعم الأكلات السريعة التي تقدم وجبات خفيفة وسريعة، وتشتهر بأصناف المقبلات وأنواع الخبز الهندي، وتتنوع المحلات الموجودة في السوق من منسوجات وأنتيك وخام قديم وملابس جاهزة وأحذية، إلى جانب محلات تعكس حضارات الدول من خلال المقتنيات التراثية التي تعرضها، وتشتهر هذه المنطقة بسوق الأقمشة التي تضم تشكيلة واسعة من المعروضات وتجارا متعددي الجنسيات.
منطقة سياحية
انتهت رحلتنا التي آثرنا القيام بها بهدف التعريف بالوجه التقليدي لدبي، وذهلنا من أعداد السياح في السوق للاطلاع على أسواق دبي الشعبية القديمة، والتقينا في نهاية رحلتنا بمرشد سياحي يتقدم وفدا فيتناميا، وأوضح أن من أكثر ما يميز مهرجان دبي للتسوق هذا العام تزامنه مع مواسم الاحتفالات والمناسبات بالنسبة لدول كثيرة منها مناسبة رأس السنة الصيني، وموسم البواخر السياحية التي تكثر فيها جنسيات أوروبية من ألمانيا وفرنسا وايطاليا واسبانيا وبريطانيا.
حيث يحرص السياح على استغلال اعتدال الجو في دبي إلى جانب تفضيلهم الاحتفال بالفالنتاين خارج دولهم، وأكد أن شارع الرقة ومترو دبي وبرج خليفة من ابرز ما يركز عليه السياح في دبي، كما يعد مهرجان دبي للتسوق واحدا من أهم المهرجانات في الشرق الأوسط، كما ذكر بأن القائمين على تنظيم الرحلات السياحية يحرصون على تزويد السياح بجدول الفعاليات، جنبا إلى جنب مع إعطائهم خيارات وسائل التنقل لاختيار ما يتناسب مع رغباتهم، مشيدا بحسن التنظيم والتنسيق في المهرجان.
ما يسهم في تعزيز صورة دبي على الخارطة السياحية، مشيرا إلى أن هناك بعض زوار «الترانزيت» يحرصون على الإقامة في دبي لمدة يومين أو أسبوع للتعرف إلى فعاليات المهرجان والمشاركة في الأنشطة الترفيهية المتاحة، إلى جانب عروض المكالمات الخارجية التي توفرها دو واتصالات للسياح.
دبي - نادية إبراهيم
