ركب الشاعر الإماراتي ظاعن شاهين بحور الشعر وراح يتجاذب عذب الكلام وعمق المعنى، ويراقص الصورة الشعرية بأداء تمكن من خلاله من إظهار المخرجات الموسيقية للكلمة والجملة الشعريتين في أمسية شعرية احتضنتها ندوة الثقافة والعلوم في دبي مساء أول من أمس، وحضرها نخبة من المثقفين الاماراتيين و العرب.
في تقديمه للأمسية نوه الأديب علي عبيد إلى خصوصية هذه الأمسية الشعرية من حيث اختيار الشاعر شاهين لفن الزهيريات، الذي يسجل له سبق الريادة فيه بدولة الإمارات، إذا علمنا أنه أول شاعر إماراتي ينظم هذا النوع من الشعر، الذي ينقسم إلى قسمين سباعي وخماسي.
وأوضح عبيد أن الزهيريات فن خليجي جذوره ضاربة في القدم وتمتد إلى أكثر من 1200 عام، وأن مستهل مسيرته كان في مدينة واصل بين الكوفة والبصرة ، وهو فن غالبا ما يستخدمه البحارة للتعبير عن شقائهم ومعاناتهم.
كما أوضح شاهين أن الزهيريات فن أقرب إلى الصنعة، وأنه يدخل في السهل الممتنع يستسيغه المرء عن طريق السمع، في حين لا يملك إلا أن يدهش حيال الكيفية التي تم من خلالها تركيب كلمات وجمل هذا الفن، الذي يقوم على استخدام كلمة واحدة لها معانٍ مختلفة في مواضع متباينة من القصيدة، التي لا تختلف عن الأجناس الشعرية ألأخرى إلا من حيث الشكل.
أما من ناحية الصور الشعرية ومضامينها، فقد بينت القصائد التي أنشدها شاهين أن هذه القصيده لا تختلف البتة عن تلك الأجناس، لا سيما وأن الشاعر تمكن من إيصال معاني صوره الشعرية وأبعادها الجمالية بشكل مباشر رغم التباينات في استخدامات الكلمة الواحدة، كما يظهر من أول قصيدة ألقاها الشاعر تحت عنوان «ما تم» وتقول:
ماتم لي صاحب عقبك أبد ما تم
بعدك طويت الورق وفصلك نقص ما تم
الناس ترقص فرح وعنهم أنا أفماتم
يلي رحلتي،غضب القلب تابعكم
مهما فعلتوا..ترى روحي تتابعكم
أخذوني سايق لكم،حسبوني تابعكم
بأرض خلت منكم حلفت أنا ما تم
وإذا كان الشعر يرمي إلى محاكاة ذات الشاعر وذوات آخرين ويبتغي بصورة عفوية أو مقصودة إيجاد لغة تواصل وفتح حوار بين مجموع تلك الذوات لتنفتح فيما بينها على عدد لا متناه من الأحاسيس والمشاعر الإنسانية وجماليات الخلق والطبيعة وصولا إلى مواضع صوفية أحيانا.
فإن زهيريات شاهين تتجول بين كل ذلك بحركة رشيقة دؤوبة تدفع السامع إلى طلب المزيد، الأمر الذي حدث بالفعل أثناء الأمسية، فعاد الشاعر وأنشد بعضا منها فتماليت العقول قبل أن تتراقص الأجساد على وقع تلك الموسيقى القادمة على متن أشرعة هذا الفن القديم، الذي من المتوقع أن يشهد إقبالا وانتشارا واسع النطاق في أوساط المجتمع الإماراتي إثر هذه الأمسية.
ما تناولته مواضيع زهيريات الشاعر يتأرجح بين الحسي والمجرد بالمعنى الواسع للكلمة، بينما تغوص في جزئياتها ومقاصدها في توق الإنسان الأزلي إلى بوح ما انفك يلازمه مهما اختلفت ظروف الحياة.
فتلك وسيلته المثلى للتعبير والتواصل ومد الجسور وإخراج مكنونات النفس اتجاه ما يحيط بها، ومن هنا جاءت قصائد شاهين متنوعة المواضيع، غنية بمعانيها، محببة بأدواتها، فكان للحب والحبيب موضع الصدارة فيها وكذلك للصداقة وللجيرة وللوطن، حيث ينشد في قصيدة «عشق»:
أعشق تراب الوطن ومن يعشقه أهواه
واحن له افساعتي إذا تركته.. آه
هذا الوطن عزتي روحي ودمي ماه
أصرخ وكلي فخر أنا إماراتي
دبي والشارجه، أهلي وإماراتي
الكل يغني فدا، وتبقى الإمارات
موال عشق وفرح من شافها قال آه
برز الشاعر ظاعن شاهين في ميدان الشعر الحر، وصدرت له عدة دواوين منها «آية للصمت» و«أتهجاك حلما»، أبدع كذلك في ميادين شعرية أخرى مثل الشعر الغنائي اعتمادا على«التفعيلة الشعبية»، وعلى الموسيقى الشعرية أكثر من اعتماده على الوزن والقافية، على غرار قصيدة «تسأليني» التي تقول:
تسأليني ليش أحبك
وليش أنا مهتم فيك
ما قريت في عيوني
أني متولع وابيك
ما قريت في خطوط الكف
إني ملك إديك
وأنك أنتي لو ختفيتي
عن عيوني
قلب يقوله عليك
وحفزت أمسية ظاعن شاهين، عدداً من الشعراء الحاضرين فيها على قراءة قصائد لهم، فألقى الشاعر إبراهيم بو ملحة قصيدة «نشيد للإمارات» و ألقت الشاعرة شيخة المطيري قصيدة «العيد» وألقى الشاعر محمود نور قصيدة حول أحوال الشعر، كما ألقى الشاعر عبد الرحمن كلنتر إحدى قصائده وكذلك الشاعر علي الصايغ الذي ألقى قصيدة تتغنى بدبي.
دبي- باسل أبو حمدة
