تؤكد دبي يوما بعد يوم أنها مدينة المبادرات الذكية، ولأن أساسها متين، وبني على رؤية ثاقبة بفكر لا يعرف سوى الرقم واحد، ويعتبر المركز الثاني خسارة..وذلك هو فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، الذي لا يعرف كلمة مستحيل .
فكان طبيعيا أن تتواصل المشاريع الطموحة التي ولدت من بنات أفكاره وتحدياته وهي كثيرة تكاد الذاكرة لا تحتويها، ومنها مهرجان دبي للتسوق الذي انطلق في مطلع 1996 بأفكار بسيطة، لكنها تحمل في مضمونها فكراً ترويجياً تسويقياً لم تعرفه المنطقة من قبل.
ومن خلاله تقدم دبي نفسها في ثوب زاهٍ لجميع شعوب العالم، في تناغم أشبه بالسيمفونية التي تتحدث عن مدينة لا تعرف التثاؤب ولا تكرر نفسها، وتترك للآخرين الاقتباس واستنساخ فعالياتها.
ولكن تبقى دبي ومهرجانها بصمة لا مثيل لها بفضل البنية التحتية والدوائر الخدمية التي تشكل أوردة وشرايين المهرجان، وهي خدمات وأشياء يراها البعض عادية، لأن عيونه اعتادت على هذا التناغم والجمال الأخاذ والطرقات الخضراء والأنفاق والجسور المترابطة.
والكثير على هذه الشاكلة من الخدمات التي تحمل الرقم واحد في تميزها لتكون من أهم عوامل جذب المهرجان، وهي عناصر يراها الزوار أهم من الفعاليات الترفيهية والتخفيضات الخرافية، لأنهم يرون دبي بعيون مغايرة تقارن الوضع فيها بمهرجانات أخرى زاروها قبل دبي.
فضلا عن سير الحياة في بلدانهم خصوصا السياح القادمين من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ومنهم الأميركي محمد احمد يحيى الذي يقطن في واشنطن، وكانت زيارته لدبي مع أسرته استبقت المهرجان، لكن دبي كعادتها كانت مبهرة ومتبرجة في زينة فاتنة وجمال يسحر الأبصار.
فكان أول تعليق لأحمد عن دبي أن مستوي النظافة في طرقاتها أفضل من شوارع وطرقات ولايته الأميركية، وعندما مر بتايم اسكوير في شارع الشيخ زايد قال لأمه أنهم يستنسخون تايم اسكوير، لكن عندما زار ابن بطوطة وتجول في محلات مول الإمارات، تأكد أن دبي هي العالم وليس معالم أميركية مستنسخة كما ذكر لأمه الهام يحيى في بداية حديثه .
وبنفس الدهشة والانبهار كان لسان حال اللبنانية شاهناز رضوان فواز في زيارتها الأولى لدبي هذا العام، وكانت تتجول في طرقاتها وتتنقل في سلاسة ولا توجد (عجقة سير) على حد تعبيرها وهي تقارن الوضع بما تراه من زحام في طرقات بيروت، رغم أن الأنظمة المرورية فيها متطورة ويراعي فيها الدقة والتحديث المستمر.
إلا أن هناك شيئاً غير طبيعي أشبه بالسحر في طرقات دبي، لم تعلم كنهه وخفي عليها فتوجهت بالسؤال إلى ابنتها ومرافقتها فاتن حسن حماد، التي تعمل مسؤول تسويق وعلاقات عامة في فندق أرجان روتانا في دبي.
فأوضحت لها بعض الأمور منها الأنظمة الذكية وتعدد وسائل المواصلات العامة من مترو وبصات حديثة مريحة، فضلا عن شبكة الأنفاق والجسور التي تتكاثر يوما بعد يوم لتقضي علي أي مشاكل مرورية، بجانب الالتزام الصارم من الجميع بقوانين المرور واحترام الطريق، هكذا كانت تفسر فاتن لامها بعضا من سر خلو طرقات دبي من ( العجقة اللبنانية ) وهي زحمة السير.
ملاذ آمن
وقال طالب الطب السوداني وضاح علي احمد الطيب إنه اختار هذا التوقيت للحضور إلى دبي وأداء امتحان (البلاب) المؤهل للعمل في المهن الطبية المملكة المتحدة، لأنه استطاع أن يؤدي الامتحان ويتابع فعاليات المهرجان لأول مرة.
رغم أنه وأسرته مقيمون على القرب من هذا الجمال على الجوار في المملكة العربية السعودية، ودأبوا على قضاء إجازاتهم السنوية بين لندن والخرطوم، لكنه أكد أن دبي ستكون ملاذهم الأمن في جميع إجازتهم المقبلة والسبب الخدمات المبهرة والجمال الدافق في جميع طرقاتها.
احمد مصطفى إسماعيل وزوجته آمنة محمد يوسف عبد الدائم يشيران إلى إنهما في المهرجانات السابقة كانا يتكبدان المشاق للوصول إلي دبي وعمقها في شارع الرقة، لكن بعد انطلاق مترو دبي سهل لهم التنقل بعيدا عن هواجس البحث عن مواقف انتظار لسيارتهما، والآن يضعان سيارتهما في موقف سيارات عند مدخل دبي ومن ثم يستمتعان بمتعة التنقل عبر محطات المترو.
أما جون انطوني من ايرلندا فيقول إن برج خليفة التحفة المعمارية العالمية وأعلى ناطحة سحاب في العالم جذبه لحضور فعاليات مهرجان هذا العام، خصوصا بعد مشاهدته لحفل الافتتاح المبهر عبر الفضائيات العالمية.
وذات الأمر تؤكده مرافقته هلين ارولند بقوله إنها كانت في شوق لرؤية برج دبي، ورفضت عروضا مغرية لقضاء إجازتها الشتوية منها متابعة فعاليات الاولمبياد في فانكوفر، وإنها حرصت علي توثيق هذه اللحظات مع صديقها أمام برج دبي حتى يشاهدها أصدقائهما في ايرلندا.
بوصلة السياح
وتتميز دبي عن كثير من دول المنطقة والشرق الأوسط بنظام مروري غير تقليدي يعرف بالأنظمة الذكية، وتم تطويره أخيراً بإضافة مركز التحكم بالإشارات المرورية في بني ياس، الذي يضم مكاتب لقسم الأنظمة المرورية الذكية بالإضافة إلى غرفة تحكم متطورة تحتوي على شاشات عملاقة لمراقبة الحركة المرورية من خلال كاميرات مراقبة موزعة على التقاطعات والشوارع الرئيسية.
كما يتولى المركز التحكم بالأنظمة المرورية الذكية التي تشمل نظام اللوحات الإرشادية، ويضم لوحات الكترونية متغيرة و لوحات تحكم بالمسارات، وكذلك نظام الاستشعار بحالة الطريق عبر ما يزيد على 1000 مجس، وكاميرات ذكية تتعرف على نوع الحدث المروري، ونظام الملاحة الديناميكي «دليلي».
وتغطي شوارع الشيخ زايد والخليج والإمارات والشيخ راشد وأبوبكر الصديق والاتحاد والميناء وبني ياس وجسري آل مكتوم والقرهود ونفق الشندغة، ويقوم النظام بحساب حجم الازدحام المروري في الطرق الرئيسية والسريعة، وكشف الحركة المرورية غير الطبيعية، مثل حوادث السير وتعطل المركبات في الطرق بالإضافة إلى الازدحام الناتج عن الكثافة المرورية الشديدة.
كما يوفر النظام حساب أوقات الرحلات على هذه الطرق بعد تحليل المعطيات الواردة من الأجهزة الموقعية، والتي تضم مجسات «حساسات» ورادار لحساب الكثافة المرورية وعدد المركبات، وكاميرات متحركة للمراقبة المرورية، وعدد من كاميرات لتحليل الصور التي تقوم بصورة آلية بالتعرف على سير الحركة المرورية مثل الحوادث أو تعطل المركبات.
ويشتمل النظام أيضاً على عدد من لوحات التحكم بالمسارات، تقوم بتنبيه السائقين بحالة الطريق بمسافة كافية، لاسيما في المنعطفات والطرق السريعة، وفي حالة وجود ازدحام مفاجئ، حيث تقوم بتوجيه السائق إلى المسارات البديلة لتفادي الازدحام. إضافة إلى كاميرات لكشف الحالة المرورية مثل حوادث السير أو تعطل المركبات أو أي حركة غير طبيعية في الطرق
خضرة دائمة
وكشف احمد محمد عبد الكريم مدير إدارة الحدائق العامة والزراعة في دبي سر اخضرارها الدائم، وتنوع وتفرد المزروعات في كافة فصول السنة، حيث تمتلك إدارة الحدائق العامة والزراعة حالياً خمسة مشاتل هي ورسان، مشرف، الصفا ، الممزر، سيح السلم تبلغ مساحتها الإنتاجية 9,40 هكتار والتي بلغت طاقتها الإنتاجية 8,33 مليون شتلة خلال عام 2009.
وتعتبر هذه المشاتل بمثابة البنك الذي يضمن توفير جميع الاحتياجات النباتية اللازمة لمشاريع نشر الرقعة الخضراء وتنفيذ أعمال الصيانة الزراعية وزراعة عروات الزهور الموسمية كما توفر نباتات البيئة المحلية اللازمة لمشاريع التحريج وزراعة المحميات والغابات والطرق الخارجية .
ولا ننسى الدور الهام الذي تقوم به هذه المشاتل في مجال توفير النباتات التي تقدم كمساعدات للجمهور والهيئات والمؤسسات الحكومية بجانب عرض النباتات للبيع بسعر التكلفة وفقا للأمر المحلي 67 لسنة 1992، وقد حققت هذه المشاتل الاكتفاء الذاتي من النباتات منذ عام 1986.
ويوضح المهندس محمد عبد الرحمن العوضي رئيس قسم الزراعة في إدارة الحدائق العامة والزراعة في بلدية دبي أن قسم الزراعة ببلدية دبي أحد أقسام إدارة الحدائق العامة، هو المعني بتجميل مدينة دبي من خلال تنفيذ السياسات والقوانين والأنظمة والإجراءات الخاصة بالقسم والمتعلقة بتخطيط وزراعة وتشجير (الشوارع والحدائق والغابات والساحات الشعبية) الجديدة، بالإضافة إلى تطوير وصيانة زراعة طرق المدينة الداخلية والخارجية.
سيمفونية موحدة
يصف إبراهيم صالح المنسق العام لمؤسسة دبي للفعاليات والترويج التجاري إدارات دبي الخدمية بأنها جزء من سيمفونية موحدة تشكل نغمة دبي العالمية، وبدونها المهرجان لن يقدم شيئا ولن تكتب له الاستمرارية والنجاح مهما كانت درجة الإبهار والإبداع في الفعاليات الترويجية الأخرى لأن البنية التحتية هي أساس أي عمل سياحي ناجح.
وهذا ما لاحظناه منذ بدايات المهرجان الأولى، عندما تم توسعة شارع الرقة انعكس على الفعاليات فازدادت وتنوعت، وذات الأمر ينطبق على ممشى الجميرا وأصبح وجهة سياحة مهمة في المهرجان.
فقد استضاف مهرجان الجاز فأصبح الممشى والمباني والمطاعم بمثابة الخلفية لمسرح طبيعي أنيق وهو يجسد تناغم البنية التحتية مع فعاليات المهرجان، والمساحات الخضراء وروعة التنقل الأمن وطمأنينة الأمان تكمل لوحة دبي الطبيعية التي تجعل من أي فعاليات تنظم على أرضها جاذبة للجمهور.
حيث تسهل شبكة الطرق الحديثة مع المترو والمواصلات الأخرى ربط جمهور المهرجان بكافة الفعاليات في مناطق دبي المترامية الأطراف، ويمكن الآن الوصول لقلب دبي في شارع الرقة من الراشدية في عشر دقائق والانتقال بذات السرعة إلي دبي مول والمناطق المحيطة به وصولا إلي جبل علي في أريحية تامة.
كما لا يمكن إغفال دور الحدائق العامة من (زعبيل والخور والممزر والصفا ومشرف) في احتواء العديد من فعاليات المهرجان، كما لا نغفل دور شرطة دبي في توفير الأمن للزوار وهو من أهم عوامل الجذب للمهرجان،حيث يعطي الزوار الطمأنينة الكاملة في معايشة الفعاليات في أي زمان ومكان بدون خوف .
دبي - عماد الدين إبراهيم
