مسبار فضائي يشق طريقه من خلال الغلاف الجوي لقمر تيتان، ويهبط بسلامة على سطحه.وهنا على الأرض، على مسافة أكثر من مليار كيلومتر من ذلك المسبار، تقوم آلة بتعبئة أكياس البطاطس المقرمشة.لم يكن جورج كوبنفالنر يظن أن هناك أي شيء مشترك بين أكبر أقمار كوكب زحل وعبوة البطاطس المقرمشة التي يفضلها ـ إلى أن تلقى اتصالاً من وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا).
تجري شركة كوبنفالنر «هايبرشال تكنولوجي جوتنجن»في ألمانيا تجارب في أنفاق الريح، وتحسب التأثيرات الإيروديناميكية للمركبات الفضائية، بما في ذلك مركبات وكالة الفضاء الأوروبية.لكن هذه المرة طلبت منه الوكالة القيام بشيء غريب:هل يمكن تكليف علماء ومهندسي الشركة بمهمة.
خارج نطاق اهتماماتهم المعتادة، للمساعدة على إيجاد طريقة لتعبئة وتغليف البطاطس المقرمشة بشكل أسرع، قبل فريق كوبنفالنر بالمهمة، وتوصلوا في المحصلة إلى طريقة لتسريع تعبئة البطاطس المقرمشة بنسبة 50% باستخدام حيل إيروديناميكية ذكية تسخر تقنية النبضات الهوائية.
والحديث هنا بعيد عن كل الروايات المشكوك في صحتها عن قيام ناسا باختراع التيفال لأجل الدروع الفضائية، والفيلكرو لإرساء الأجسام في بيئات انعدام الجاذبية، ومشروب «تانج»لتحسين طعم مياه الشرب المعاد معالجتها في الفضاء.فكل هذه كانت منتجات موجودة أصلاً، وكل ما فعلته ناسا هو الترويج لها إعلامياً.
لكن، هناك تقنيات أخرى من صناعة الفضاء تشق طريقها بالفعل إلى التطبيقات العملية في حياتنا اليومية، ربما يكون أحدثها استخدام الكابولات الفضائية لقياس ميوعة الدم لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض الضغط والقلب، وأكثرها شيوعاً تقنية تحديد المواقع الأرضية بالأقمار الصناعية (جي بي إس)، والتي تعتبر أكثر تقنية فضائية تم الاستفادة منها على سطح الأرض.
فإلى جانب استخداماتها الشائعة، مثل أنظمة الملاحة في السيارات، هناك قائمة طويلة مذهلة من التطبيقات، بدءاً من التنبؤ بمستقبل موارد الغذاء العالمية إلى تتبع آثار الفضلات الخطرة ومراقبة المخلفات الكربونية للأفراد في كل منطقة.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تقف ناسا وراء بعض التطبيقات الصناعية الكلاسيكية لتكنولوجيا الفضاء، بما في ذلك المكنسة الكهربائية الصغيرة المحمولة «داستباستر».فلقد طلبت ناسا من شركة «بلاك آند ديكر» تصميم مثقاب قادر على الاختراق حتى 3 أمتار تحت سطح القمر، ولا يستهلك الكثير من الطاقة.وكانت النتيجة تقنية ذات كفاءة عالية جداً مكّنت الشركة من صناعة مكنسة كهربائية محولة تعمل على البطاريات.
ثم هناك قصة الجراحين جورج نيون ومايك ديباكي في كلية بايلور الطبية في تكساس. ففي عام 1984، قام هذان الطبيبان بعملية زرع أنقذت حياة مريض تعرض لنوبة قلبية.
وكان ديباكي يعمل منذ عقود على تطوير مضخات دم اصطناعية لمساعدة القلوب الضعيفة، والتعاون مع نيون، أراد تصميم مضخة بتصميم محسن.وصادف ان المريض الذي أنقذا حياته كان مهندس صواريخ في وكالة ناسا يدعى ديفيد سوسير.
وكان لدى سوسير خبرة في المضخات الكبيرة التي تغذي سائل الدفع إلى محركات المكوك الفضائي، وكان يعرف أيضاً ثلاثة مهندسين في ناسا يمكنهم المساعدة في هذا الأمر.وهكذا عرفهم على ديباكي ونون وبدأوا بالعمل على تصميم مضخمة مكوك فضائي تعمل بالدفق المحوري، تحتوي على رفاص يشبه المفك داخل أنبوب.
وأدت التجارب على النسخ الأولية من تلك المضخة إلى تفجير الأوعية الدموية الاختبارية، لكن بعد نحو خمسين محاولة استقر الفريق على تصميم جيد بما يكفي للاختبار على الحيوانات.ويقول نون «كانت خبرة ناسا في ضخ الوقود، وليس في ضخ الدم».
وبحلول عام 2003، كانت المضخة قد زرعت لأكثر من 400 مريض ممن يعانون قصوراً في القلب، بدلاً من زرع عضو متبرع به. ومن ضمن مزاياها العديدة أنها موثوقة جداً، لأنها تضم جزءاً متحركاً واحداً ولا تحتوي على أية صمامات، إضافة إلى إنها لا تصدر ضجيجاً قوياً. كما ان تصميمها الصغير يتيح زارعتها للأطفال أيضاً.
منظور اقتصادي
قد يبدو من المستهجن أن تساعد وكالة الفضاء الأوروبية في مثل هذه الصناعة التي لا تمت بصلة بالفضاء.لكن الأمر منطقي جداً من منظور اقتصادي.فنظراً لإنفاق مليارات الدولارات على الأبحاث كل سنة، تمتلك إيسا وناسا ووكالة الفضاء اليابانية (جاكسا) بعض أفضل التجهيزات التكنولوجية والمرافق التقنية في العالم.
وهنا يأتي دور، فرانك زالتسجيبر، رئيس مكتب إيسا لنقل التكنولوجيا، في نوردفيك بهولندا، حيث يقول «نحاول الاستفادة بأفضل شكل ممكن من كل دولار يتحمله دافعو الضرائب لتمويلنا».
