على امتداد قرنين من الزمان، شكل سوق فولتون للأسماك أحد المعالم الشهيرة التي تقترن بنيويورك في ذاكرة الكثيرين، فكل من قدر له يوما المرور بالواجهة المائية لجنوب شرق مانهاتن كان لابد له أن يجد نفسه حيال أكبر تجمع مخصص لتدفق الصيد البحري على اختلاف أنواعه، وسط موج هائل من زحام الشباب العاملين في السوق والتجار والبائعين والمشترين.

لكن هذا المشهد، الذي كان يقترب من فيلم كلاسيكي عن الحياة والنشاط، لم يعد له وجود، وإنما أصبح جزءا من الذاكرة الجمعية في نيويورك، حيث اجتاحه طوفان التحديث الهادر، فانتقل إلى موقع آخر.

هو السوق الحديث في حي برونكس الشهير، وعلى الرغم من أن الكثيرين لم يكونوا يرغبون في الانتقال من موقع السوق القديم إلى الموقع الجديد، إلا أن منطق التحديث فرض نفسه، وأجبر الجميع على حمل شعار «ماهو في صالح السوق يعتبر في صالحي».

ويحتل الموقع الجديد للسوق مساحة 430 ألف قدم مربع، قبالة الطريقين السريعين بروكنر وشريدان، وهو يقدم عناصر راحة أكبر، بالطبع، بما في ذلك أماكن فسيحة للتحميل والتنزيل من الشاحنات وأنظمة التبريد المتقدمة التي تلتزم بمعايير السلامة الغذائية الفيدرالية.

ويقول جيف مانزر من مؤسسة التنمية الغذائية التي أشرفت على عملية نقل السوق إنه: «انتقل عمليا من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين».

ولكن مع هذه القفزة النوعية إلى المستقبل، فإن الكثيرين يتنهدون، وهم يعودون إلى ذكرياتهم في السوق القديم، فباعة السمك احتلوا مكانهم في سوق فولتون القديم منذ عام 1822، عندما قامت نيويورك بافتتاح مجموعة من الأكشاك التي تبيع الطعام والسلع المختلفة للجمهور.

الذي كان يعبر بين بروكلين ومانهاتن بواسطة معدية فولتون المجاورة، ونمت تجارة المأكولات البحرية سريعا، وبحلول عام 1831انتقل تجار السمك إلى المبنى الخاص بهم، وبحلول عام 1848 اصبح السوق يحمل اسم سوق فولتون للسمك، واكتسب شعبية كبيرة، وواصل التوسع عندما انتقل باعة الأطعمة إلى أماكن أخرى.

غير أن بعض الأمور لم تتغير على مر السنين، فهناك مبنيان لا يزالان يمتدان تماما فوق النهر، وهما إرث زمن كان فيه صيد اليوم يحفظ في الماء مباشرة، ولكن صفا من واجهات المحال القديمة المحيطة بالجهة الغربية من الشارع تحول إلى جزء من السوق المكشوف لمنطقة الميناء البحري لشارع ساوث.

ويقول أنتوني غريبا، بائع المأكولات البحرية بالجملة:«كان الانتقال أمرا يتحتم علينا أن نفعله، فلم نتردد في القيام به».وهو يشير إلى أن سلطات المدينة كانت تحاول إقناع التجار والباعة بالانتقال من السوق منذ ستينات القرن الماضي، وفي نهاية المطاف حسم الأمر بفعل عناصر موضوعية.

في مقدمتها تراجع النشاط التجاري، واحتاج الأمر إلى نظرة عملية، كانت هي التي وقفت وراء الانتقال الفعلي إلى موقع السوق الجديد.وكما حدث لسوق الهال العتيد في باريس، كذلك كانت الحال بالنسبة لسوق فولتون، حيث اكتسحت الضرورات العملية ركام الذكريات.

ويقول بوب سميث، صاحب متجر «أرو سيفود» متنهدا: «إذا كنت تبعد مئة قدم عن مركز النشاط، فإنك لست فيه، وعليك أن تكون موجودا حيث توجد محطات الشاحنات».

وهكذا يفرض منطق العمل الصارم نفسه على الجميع، على الرغم من أن الكثيرين يصرون على أن يحكوا لأبناء الأجيال الشابة ذكرياتهم الجميلة عن السوق العتيد، الذي أصبح جزءا من عالم الذكريات الغابرة.