«الأذن تعشق قبل العين أحيانا».. مقولة يتلمسها المتجول بين أحضان مهرجان دبي 2010 في مختلف مواقعه.. فمع معالم البهجة الواضحة على الزوار تظل هناك أصوات تعشق سماعها من حين إلى آخر. منها مثلا ضجيج الكرنفالات في القرية العالمية التي أفردت مساحة واسعة لتراث وثقافة كل بلد مُشارك..

وفيها أيضا نرهف السمع لأصوات الأطفال وهم يلعبون ويمرحون ويتنقلون بين الألعاب، أما في الشندغة والقرية التراثية فستشدك حتما أصوات الإيقاعات الشعبية التي تسمعها عند دخولك لترسم في مخيلتك صورة تاريخية قديمة لتلك الفنون التي تعبر عن عمق الجذور والأصالة. ولا ننسى المراكز التجارية.. فأصوات الباعة، ومعارض هنا.. وحلويات هناك، ومقاه ..جميعها أصوات تجسد الحركة التجارية والبضائع والمنتجات التي جاءت من كل حدب وصوب خصيصا لزائر المهرجان. نعم، هنا الكل يتسابق لتقديم أفضل خدمة، وأجود منتج بأقل الأسعار، أصوات كثيرة ومتعددة تحتضنها سماء مهرجان دبي بإطلاق الألعاب النارية المتميزة، وعلى الأرض بالفعاليات التي تنظم في بعض الشوارع الصاخبة.. نعم في مهرجان الأذن تعشق قبل العين «دائما» وهذا واقع ملموس في هذه الإمارة التي تعج بأصوات المرح والفرح.. والدلائل كثيرة نرصدها في الموضوع التالي.

القرية العالمية

تدخل القرية العالمية معانقا يدك زوجتك، محتضنا أطفالك بلا خوف.. تتجول في جناح وآخر، أثناء تجوالك بين الأجنحة المُشاركة في القرية العالمية ستستمع إلى أكثر من 40 صوتا من مختلف دول العالم. فهذا البائع يناديك لتجربة المنتج الذي أحضره من تلك القارة، وذاك يدعوك لتناول طعام لا يصنع إلا على طريقة تلك الجزيرة التي سمعنا عنها فقط، وذلك يساوم المتسوق على سعر معين، إلا أنه في النهاية يُعطي زبونه سعرا مناسبا..

وهناك بائع آخر يدعو لشراء هدايا تُهدى لمن نرغب، فلا مجال للتردد في اقتناء الهدايا الجميلة والمعبرة وتقديمها إلى أحبائك المخلصين. إضافة إلا أصوات شابة احتضنتها مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب الذين تجمعوا في القرية مؤكدين بأنهم أصحاب مشاريع إماراتية 100%، وهي تتراوح ما بين تجارية وخدمية، إلا أنهم يحاولون من خلالها إثبات إبداعهم في هذا المجال، متخطين كل العوائق والصعوبات والتحديات بثقة عالية، وفي سعي لتقديم منتجات بماركة إماراتية..

فهذا يدعوك لمطبخه الشعبي، وذاك لشراء أدوات ومعدات البر والرحلات والصيد، وأخرى لشراء عطور بروائح طيبة زكية تغطي سماء وأرض «العالمية»، كل زائر يشم رائحة العود من على بعد أميال.

من الأصوات التي يستحيل نسيانها، وباتت بالنسبة لي على الأقل ك«المسج الصوتي» الذي أحن لسماعه بين حين وآخر، هو صوت بائع التمر الهندي في الجناح السوري الذي يدعوك لشراب بارد ببعض الكلمات قائلا «طيبة باردة..تع روق دمك» و«دمعة أصلية..تشربها العجوز ترجع صبية».. ألبي دعوته، فيقدم لي العصير بطريقة فولكلورية تُثير الإعجاب.

وكيف لي أن أنسى أصوات باعة «الكرك-شاي بالحليب الثقيل» من الجنسية الآسيوية اجتمعوا على مناداة واحدة وملحن واحد هو «كررررررك»، وكلمة من المستحيل أن أنساها علمني إياها أحد الأفارقة في الجناح الأفريقي وهي «شبلالا» تعني حظا سعيدا.

وهناك أصوات أخرى أحببتها، فكيف لي أن أنسى الموال الذي أنشدته إحدى البائعات الفلسطينيات «على دلعونا على دلعونا بي.. الغربة الوطن حنونا - بالله إن متت يامّا اقبروني بأرض بلدنا بفيّ الزيتونا».

وبكل تأكيد فإن لأصوات المُتسوقين بصمة أخرى ما بين الأجنحة والمطاعم، فكلها تشع ألقا..أما حين يكونون في عبرة بحيرة القرية العالمية تندمج أصواتهم مع المياه لتشكل لحنا كلاسيكيا مُدندنا على صفحات المياه الصافية.. ركبت إحداها مع صديقاتي، وكانت فرصة رائعة أتاحت لنا التنقل والاستمتاع بواجهات الأجنحة.

أصوات الأطفال

في منطقة الألعاب في القرية العالمية تستمتع ببهجة الكبار ربما قبل الصغار، فالجميع مغمور بالسعادة في عالم تكسوه المتعة وروح التحدي والمغامرة، وبقلوب رقيقة تنثر السعادة فيمن حولها بما يعتريها من لعب وفرح طفولي بريء.. أصوات صاخبة صادرة من الألعاب في القرية تدفع الجميع للمشاركة والمنافسة.

وُستدهشك أصوات صراخ من صمم على ركوب ألعاب ذات ارتفاع هائل، وآخرين انشغلوا بألعاب أخرى من أجل الفوز بدمى تجد لها مكانا في لغة ذكرياتهم الجميلة.. إلا أن الأطفال افتقدوا هذا العام مشاركة الشخصيات الكرتونية كبطلات «فريج»، وأبطال «شعبية الكرتون» الذين اعتادوا على تواجدهم في كل عام ليلتقطوا معهم العديد من الصور الرائعة والاحتفاظ بها للذكرى.

صوت الإرادة

لو سألنا عن معنى الإرادة التي يملكها ذوو الإعاقة، لوجدناهم أصحاب الإرادة المؤمنة بقدرة الله سبحانه وتعالى ومدى الاستفادة من تلك القدرة الإلهية في مواصلة الحياة بقوة التحدي الذي لا ينقطع، رغم تلك الحواجز والتي أخذت تنكسر بإرادتهم وعزمهم على إبراز هويتهم التي طالما حاول المجتمع أن يخفيها.. وهذا ظهر جليا من خلال صوت الإرادة البارز لدى بعض ذوي الإعاقة الذين شاركوا في القرية العالمية ببيعهم الورود وبعض الهدايا التذكارية.

الألعاب النارية

تتزين سماء دبي أيام المهرجان بعروض الألعاب النارية المذهلة.. فلا تملك وأنت تسمع لأصوات تلك الألعاب إلا أن تبتسم، لم لا؟ وأنت تناظر للوحات تشكيلية سماوية منيرة، تشيع جوا من السعادة على جميع وجوه الحاضرين من جميع الأعمار، الذين عادة ما يتسمرون بالمئات ويملأون شوارع دبي للاستمتاع بالعروض المُقدمة على أيدي أمهر الخبراء في هذا المجال. ولا تقتصر هذه العروض على القرية العالمية فقط، وإنما موزعة على جميع أنحاء الإمارة، ومبانيها ومواقع الفعاليات.

الشندغة وقرية الغوص

للتراث نصيب كبير من اهتمام دبي، حيث تحييه بقوة في مهرجانها، في منطقة الشندغة وقرية الغوص تمتزج الأصوات في بعضها البعض مُشكلة «شلة تراثية» تطرب لها الاذان.

وتعتبر منطقة الشندغة التراثية ملتقى الفنون الشعبية الإماراتية، بل حلقة وصل نابضة بالحياة تنقل للأبناء حياة الأجداد والآباء بكل تفاصيلها من تجارب وأصالة وتقاليد وفنون شعبية. ففي أيام المهرجان تصدح هذه القرية بأجمل وأشهر بل أروع الكلمات المُلحنة بطريقة تراثية قديمة، مُجسدة الصفات العربية الأصيلة من حب الفروسية ومجابهة الأعداء والانتصار عليهم.

ويسعى الشباب على إثراء تلك الأصوات التي يسكنها روح التراث بأداء رقصات متنوعة كاليولة، والعيالة، والحربية، ولا يملك الزوار إلا مشاركتهم في أداء بعض الرقصات، ومنهم من يكتفي بالنظر مُعبرا عن إعجاب من خلال صوت تصفيقه الحار.

والزائر لقرية التراث والغوص سيتذكر الصناع المهرة الذين أجادوا مهنا متنوعة. فهذا يصنع طبلا، وذاك يصنع الليخ، إضافة إلى مهن أخرى مثل صناعة الجفير ويستخدمه أهل البحر في حمل الأسماك. اقتربنا من بعض المهنيين الذين أكدوا أن هذه الحرف عبارة عن مخزون تراثي جميل. العديد من السياح أيضا اقتربوا يستفسرون عن هذه الحرف، يقفون أمام المنتجات التراثية ويلتقطون الصور التذكارية، ولم يغادروا إلا بعد شراء بعض القطع القديمة التي يسكنها صوت التراث العريق.

المطبخ الشعبي

تقدم الشندغة التراثية في أيام المهرجان أكلات شعبية إماراتية تتميز بكثرتها وتنوعها، وتتفن الإماراتيات في صنعها، منها ما هو خاص بالأفراح والأعياد، ومنها ما هو خاص بالبيت والأسرة، ويشعر الزائر وهو يتناول بعضها بمذاق آخر خاصة إذا كان باليد بدلا من الملاعق.

وفي أنحاء القرية تجلس مجموعة من النساء، تشدك أصواتهن المرحبة بك وتدفعك للجلوس، للاستماع لبعض «سوالفهن» ولا تملك إلا أن تطلب شيئا من اللقيمات بعد سماعك لصوت قليه في الزيت، أو خبز الرقاق الذي يشدك صوت خبزه على «التاوه»، وغير ذلك من الأكلات الشهية الأخرى كالخبيص ، والهريس ، والمجبوس ، والفرني ، والبلاليط، تغادر وأنت كلك ثقة بأنك يتعود من جديد لتجربة طبق شعبي آخر.

المراكز التجارية

في أيام المهرجان لن تجد نفسك مضطرا أبدا للمفاوضة على السعر، فهناك قائمة من مراكز التسوق المشاركة المهرجان قد عملت تخفيضات تُمكن المتسوق الشراء بشراهة، ومنها مركز البستان، حمر عين، ميركاتو، مول الإمارات، ودبي فيستيفال سيتي، دبي مول، وغيرها من المراكز..وأجمع المتسوقون في صوت واحد «تسلمين يا دبي، وهذي فرصة للتسوق ما تتكرر».

وبهذا تتحول دبي إلى واحة يغمرها صوت التسوق والترفيه، من خلال تنظيم باقة من الفعاليات داخل مراكز التسوق، تقدمها مجموعة كبيرة من المهرجين والاستعراضيين والموسيقيين من جنسيات مختلفة حول العالم.

بهجة الشوارع

المتجول في شوارع دبي أيام المهرجان سيسعد برؤية الألوان الجميلة المنتشرة على جوانب الشوارع الرئيسة والجسور والأنفاق، إضافة إلى أعلام ولافتات تحمل أسماء الرعاة الرئيسيين للمهرجان، وعبارات تعبر عن شعار مهرجان دبي، إلى جانب الإضاءة التي تعبر عن حقيبة التسوق والأشكال التي صممت بطريقة رائعة.

أصوات الصخب وحدها هي التي تسيطر على أجواء دبي بشكل مُلفت وجميل، لأنه عرس التسوق السنوي الذي تعيشه دبي بكل معاني الكلمة.. إضافة إلى إطلاقها ألعابا نارية في بعض الشوارع لاسيما شارع السيف.

متعة المترو

حينما غنى الفنان السعودي راشد الماجد في فترة التسعينات أغنية «المسافر»، كان من ضمن كلماتها «القطار وفاتنا، وأقول للماجد بأنه في دبي سيتمكن الجميع من ركوب «المترو»، ولن تضيع على أي أحد فرصة الاستمتاع بمترو يسير من دون سائق ! ويبقى الهدف واحداً هو الإبقاء على صوت الفرح والبهجة على الدوام بين الركاب، وإيصالهم إلى مراكز التسوق، وأماكن الفعاليات بكل أمان.

برج خليفة

الزائر لأطول ناطحة سحاب في العالم «برج خليفة» والذي يبلغ ارتفاعه 828 متراً لن يتردد أن يقول وبصوت مسموع «تبارك الله»، وبعدها يصفق لإنجاز دبي. إن زيارة «برج خليفة» تحتضن فيها الأصوات أيضا، كالعروض البصرية والصوتية، وأنغام ومقطوعات أخرى. ومع هذا لا تنسى التقاط صور تذكارية وأنت في أطول برج في العالم.

عروض مرحة

تسعى القرية العالمية في كل عام إلى تقديم العديد من العناصر المبتكرة والعروض الجديدة بهدف جعل زيارتها تجربة لا تنسى. نعم، هي عروض متنوعة زاخرة بأصوات المرح السنوي الرائع الذي يترقبه الجميع.. فهناك فعاليات فلكلورية تعكس عادات وتقاليد شعوب مختلفة حول العالم..

وهناك تشكيلة أخرى من العروض الترفيهية التي تُغطي طيفاً واسعاً من الفعاليات المتنوعة بما في ذلك الموسيقى والرقص والفنون والمسارح وعروض الأزياء والطعام من مختلف أنحاء العالم..

وفي قلعة الميدان في القرية يجتمع الفنانون لإحياء حلقات متجددة من برنامج «الميدان» من خلال أصوات تشدو بأعذب الكلمات، وعلى أنغامها يتنافس الشباب بأداء اليولة، متفنين برمي السلاح ببراعة وفي أنفاسهم صوت واحد فقط يقول: «يارب أفوز بالمركز الأول». وأصوات أخرى لم تسعها فرحة الدنيا لفوزها بسحوبات لكزس الكبرى، وجوائز مالية تبلغ طوال أيام المهرجان.

دبي ـ جميلة إسماعيل