اختلف في أول من لعب بالصقور، وتشير الروايات التاريخية إلى أن أول من لعب بالصقور كان الحارث بن معاوية بن ثور الكندي، وهو أبو كندة، وكندة قبيلة قحطانية في عرف النسابين، تنسب إلى ثور بن عفير بن عدي ابن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن زيد بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وثور هو كندة.
وقد عرفت عند الإخباريين بكندة الملوك، لأن الملك كان لهم على بادية الحجاز من بني عدنان. ولأنهم ملكوا أولادهم على القبائل. وكانوا يتعززون بنسبهم إلى كندة، والى آكل المرار، لأنهم كانوا ملوكا (المفصل، ج3، 315)، وأنه وقف يوما لقانص وقد نصب حباله للعصافير فانقض أكدر على عصفور منها قد علق، فعلقه الأكدر ؟ وهو الصقر ؟ ومن أسمائه أيضا الأجدل، فجعل يأكل العصفور وقد علق.
فعجب الملك فأتى به وهو يأكل العصفور، فرمى به في كسر البيت، فرآه قد دجن ولم يبرح مكانه ولم ينفر، وإذا رمى إليه طعاما أكله، وإذا رأى لحما نهض إلى يد صاحبه ثم دعي فأجاب فطعم على اليد، وكانوا يتباهون بحمله، إذ رأى يوما حمامة فطار إليها من يد حامله فعلقها، فأمر الملك باتخاذها والتصيد بها. فبينما الملك يسير يوما إذ نفجت أرنب فطار الصقر إليها فأخذها، فطلب بها الطير والأرانب فقتلها، واتخذها العرب بعده، ثم استفاضت في أيدي الناس. أما أول من اتخذ الشواهين فيشير المسعودي إلى أن ارستجانس الحكيم ذكر في كتاب كان وجه به إلى المهدي حمل إليه من ارض الروم أهداه إليه الملك أن ملكا من ملوك الروم يقال له فسيان نظر يوما إلى شاهين يهوي منحدرا على طير الماء فيضربه ثم يسمو مرتفعا في الهواء، حتى فعل ذلك مرارا. فقال: هذا طير ضارَ تدلنا قوة انحداره على الطير في الماء انه ضارَ، وتدلنا سرعة ارتفاعه في جو السماء على انه طير أبي ألوف، فلما رأى إلى حسن تكراره أعجبه، فكان أول من اتخذ الشواهين. (المسعودي: 146).
العرب والقنص... وكانت الصقارة معروفة عند العرب منذ الجاهلية، ولم تكن وسيلة من وسائل الرزق فحسب، وإنما كانت متعة من متع النفس، وضربا من ضروب الحرب في أيام السلم، وهم اشد ما يكونون حاجة للرزق والمتعة والتدرب الدائم على القتال. لذلك أقبلوا على الصقارة إقبالا كبيرا فطعموا من جوع حين أكلوا لحوم الطرائد، واكتسوا من عري حين ارتدوا جلودها وأوبارها، وأمنوا من خوف حين قتلوا الحيوانات التي تهدد حياتهم وتروع ماشيتهم. ومن يتتبع الشعر الجاهلي يجده طافحا بذكر هذه الرياضة وأخبارها، حتى غدت المعارك التي تدور بين القانصين والنعائم، والطراد الذي يقع بين كلاب الصائدين وثيران الوحش وحميره تقليدا من تقاليد الشعر الجاهلي وركنا من أركان القصيدة العربية. وقد وردت في قصيدة أمرؤ القيس رب رام من ثعل العديد من مفردات الصقارة التي عرفها العرب منذ ذلك الزمن المغرق في قدمه في أشعارهم، فـ (متلج كفيه في قتره) تعني مدخل كفيه في القترة والقترة هي البيت الذي يكمن فيه الصائد للطرائد (أو الكوخة بتعبير اليوم). وكان الصائد منهم يعود على أهل حيه بلحم صيده، ويجد في ذلك مجالا من مجالات الفخر، يشير إلى قول امرئ القيس:
اذا ماركبنا قال ولدان حينا
تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
وقد كانوا يرون أن طعام الصيد أكرم طعام، فقد روى كشاجم قول أحدهم:
ولقد أبيت على الطوى وأظله
حتى أنال به كريم المأكل
ثم أردف يقول: «وفسره بعض الرواة بأنه الصيد».
وكان أبناء الملوك من العرب يفخرون بالصقارة وأكل لحم الطرائد منذ القدم، من ذلك قول امرئ القيس على الرغم من عراقته في الملك وأصالته في المجد:
وظل طهاة اللحم من بين منضج
صفيف شواء أو قدير معجل
وكان العرب يطلقون على الصيد اسم «اللذة» ويعرفونه بذلك، فقد سمى الشاعر العربي الصيد لذة واستغنى بذلك عن أن يدعوه باسمه لعلمهم به واشتهاره فيهم وقدره عندهم فقال:
كأني لم أركب جوادا للذة
ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولم تقتصر الصقارة عند العرب على ذوي الفاقة وإنما مارسها الأغنياء والفقراء، وأولع بها السادة والسوقة، فعدي بن حاتم الطائي أحد ملوك العرب في الجاهلية كان صقارا مولعا بالصيد صاحب كلاب وجوارح وهو الذي جاء يسأل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن أمر الصيد.
فيقول: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه، فإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل».
وكان حمزة بن عبدالمطلب عم الرسول صاحب صقور يصيد بها وكان «إسلامه عند منصرفه من صيد وعلى يده صقر» فقد جاء في السير: «ان حمزة كان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان أعز فتى في قريش، فرجع يوما من صيده فقالت له امرأة كانت رأت ما نال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى أبي جهل: يا أبا عمارة، لو رأيت ما صنع ابوالحكم بابن أخيك.
فمضى على حاله، وهو متعلق قوسه في عنقه حتى دخل المسجد فألفى أبا جهل، فعلا رأسه بقوسه فشجه ثم قال: ديني على دين محمد، اشهد أنه رسول الله». (الباشا: 23، 24، 25، 26 بتصرف).
وكما كان الفرس أول من ضرى البزاة، وكان الروم أول من اصطاد بالشاهين والعقاب، فقد كان العرب أول من ضرى الصقور وصاد بها حيث أجمع الباحثون في البيزرة على أن أول من صاد بالصقر وضراه الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة كما مر معنا.
وقد شهر العرب في الجاهلية عند الأمم المجاورة بتضريتهم للصقور وعرفوا بذلك وجعل الملوك يستهدونهم بعضا منها، فقد جاء في كتاب الطيور «أن العرب لما ضروا الصقور وقنصوا بها الوحش والطير بلغ خبرها كسرى بهرام الأكبر بن سابور فأرسل إلى ملوك الحيرة من بني مضر بن خذيمة جد المناذرة فبعثوا إليه بصقر فوجده يتعاقب على صيد الطير والأرنب فأعجبه واتخذه ليظهر للروم فضيلة للصقور وعملها».
ومن هنا قال الجاحظ «إن الباز أعجمي والصقر عربي».
ولم يكن العرب الجاهليون أول من عنى بالصقارة فحسب وإنما كانوا أول من ضرى الفهود ايضا، فقد روي أن أول من صاد بالفهد كليب بن وائل، وقيل همام بن مرة وكان صاحب لهو وطرب، وأول من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
أمرؤ القيس واصفاً
رب رام من ثعل
متلج كفيه في قتره
فهو لا تنمي رميته
ماله لا عد من نفره
مطعم للصيد ليس له
غيرها كسب على كبره
صفحة أسبوعية تعنى بالتراث والتاريخ المحلي، تستجلي آفاق الحوار الحضاري مع جذور الآخر من خلال العناية بما قدمته مدارس الاستشراق في ميدان الثقافة العربية الإسلامية....
يكتبها ـ عمار السنجري



