صدر عن دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث دراسة جديدة بعنوان البلاغة عند المعتزلة للمؤلف الدكتور محمد هيثم غرة، الذي أوضح في كتابه بما اشتهر به المعتزلة في التاريخ من بلاغة وفصاحة لسان، مدفوعين بما حملتهم عليه مهمتهم من دراسة اللغة والإحاطة بفنونها وطرائق تعبيرها. ولم يكد هؤلاء القوم يتركون جانباً من جوانب دراسة اللغة إلا طرقوه، ولا سبباً من أسبابها إلا تعلقوا به.
وإذا كانت الدراسات الحديثة التي ألفت في المعتزلة وتحدثت عن تاريخهم وأفكارهم وآرائهم ونظرياتهم وفي علم الكلام كثيرة، فما أقل الكتب التي اعتنت بالجانب البلاغي من تلك الدراسات، كما أنها لم تتعرض للتأويل البلاغي الذي يخدم المعتزلة في تأكيد آرائهم، ولا لطريقتهم في تسخير النوع البلاغي لصالح مذهبهم ومبادئهم. ومن هنا كان موضوع هذه الدراسة البلاغة عند المعتزلة، موضوعاً جديداً وحقلاً بكراً.
وقال المؤلف محمد هيثم غرة: إن الاعتزال مدرسة فكرية كلامية وليس فرقة سياسية، ولم تقم دعائمها إلاّ على الجدل والمناظرة والحوار، لا على السيف أو التصدي لمحاربة فرق أخرى، فهم مدرسة دافعوا عن مبادئهم وآرائهم بالحوار والحجة، ودافعوا عن القرآن والإسلام بما يملكون من فصاحة ولسن، وبثقافتهم اللغوية الواسعة وبمعرفتهم بالبيان واللغة.
وتابع وقفت في هذا البحث عند الزمخشري، لأنه آخر من يمثل المتكلمين المعتزلة تمثيلاً حقيقياً، ولم يكد يطلق هذا اللقب المعتزلي، بالمعنى الكلامي المعروف عند الزمخشري على أحد، ومن ناحية أخرى فإن عمل الزمخشري في البلاغة كان أنضج ثمرة لكتب أسلافه ممن عملوا في هذا المجال، فكانت البلاغة عنده فناً وذوقاً خالصين وليست علماً وتعريفات.
كما جعله خلفه من الذين افتنوا بتفريع البلاغة وشغفوا بحدودها وتعريفاتها، وتنافسوا على اختصار موادها وشرحها والتعليق عليها وتدوين الحواشي.
