تظل هونغ كونغ، التي يعني اسمها تقليديا «الميناء العطر» قادرة على استقطاب الاهتمام بفتنتها الشرقية وسحرها وغموضه،ا وجمعها بين لمحات يعز اجتماعها من الشرق والغرب معاً في آن، وفي هذه الأيام يتوقف الكثيرون عند مفاجأة عجيبة تقدمها هونغ كونغ من قلب أسرارها الملتفة بالغموض، والتي تحاكي فيلماً من أفلام المغامرات والإثارة، ولكنها في الوقت نفسه دقيقة كل الدقة، لأنها جزء لا يتجزأ من تاريخ المستعمرة البريطانية السابقة.

والحكاية هي أنه على مهل تطفو على السطح جوانب كانت في السابق غارقة في الغموض من الأحداث والوقائع، التي أحاطت بغزو القوات اليابانية لهونغ كونغ خلال الحرب العالمية الثانية، فبعد سويعات من استسلام المستعمرة البريطانية العتيدة للقوات اليابانية الغازية، في 25 ديسمبر 1941، ساعد الأدميرال الصيني تشان تشاك في الانطلاق بـ 67 ضابطا بريطانيا وصينيا في رحلة هروب مثيرة، امتدت عبر ما يزيد على 129 كيلو مترا إلى الأراضي الصينية غير المحتلة.

واتسمت هذه الرحلة بكل العناصر التي يمكن أن يحفل بها فيلم هوليوودي مثير من أفلام الحروب والمغامرات، ابتداء من مطاردة القوات اليابانية للجمع الهارب إلى رحاب الحرية بالسيارات والزوارق المسلحة وقيام أحد الضباط بإنقاذ قائده من الغرق وسط سيل جارف من طلقات الرصاص من الرماة اليابانيين المهرة المدربين على هذا النوع من اغتيال الأهداف ذات الأهمية الاستثنائية.

هذا كله وغيره كثير يجده زوار هونغ كونغ والمقيمون فيها في معرض فريد من نوعه، يحمل اسم «الهروب من هونغ كونغ- الطريق إلى ويتشو»، المقام في متحف هونغ كونغ للدفاع الساحلي.

ويضم المعرض عددا كبيرا من الخرائط النادرة، التي توضح مختلف رحلة الهروب من هونغ كونغ إلى آفاق الحرية، والطرق التي سلكها الضباط الهاربون، والوسائل التي استعانوا بها، وسبل تضليل مطارديهم، وكذلك الأوسمة والنياشين التي نالوها تقديرا لبطولتهم، وغير ذلك من التذكارات التي تعيد وهج الحياة إلى هذا الجزء المتوهج من حرب المحيط الهادي.

وعندما يقرأ زائر المتحف دفاتر تسجيل وقائع الرحلة المحفوفة بالمخاطر المكتوبة بخط اليد، فإن بوسعه أن يستحضر بعيني الخيال المحلق الرجال المنهكين، وهم يخوضون مياه الغدران بأقدام متقرحة ومتورمة،ويتهالكون للرقاد على أكوام من القش، ويبادرون إلى الاختفاء فور تحليق الطائرات اليابانية التي شاركت في مطاردتهم فوقهم.

ويعد هذا المعرض نموذجاً للمفاجآت التي يعدها المتحف لزوره، على الرغم من أنه يتعرض لإهمال لا يتناسب مع ما يقدمه ولا مع نشاط القائمين عليه، في موقعه الفريد على خليج ألدريتش وداخل قلعة بريطانية يعود تاريخها إلى 122 عاما، وربما ينفر السياح من المتحف في ضوء اسمه كقلعة عسكرية، ولكن بينما يضم العديد من المعروضات الحربية كالبنادق والمدافع والقذائف.

وأيضا أثار الطلقات التي أطلقتها عليه القوات اليابانية، فإن الزوار سيستمتعون بما يضمه من معروضات تنتمي إلى تاريخ هونغ كونغ البحري الحافل، منذ عهد ملكية مينغ حتى اليوم. وإذا كان من المستحيل فهم تاريخ هونغ كونغ من دون فهم علاقتها بالبحر، فإن متحف هونغ كونغ للدفاع الساحلي يشكل المقدم الطبيعية لهذا الفهم.