هنري بيرنارد ليفي، فيلسوف على طريقة «كانت» وثوري بأسلوب «ماركس»، لكنه يقترح طريقاً ثالثاً بين الاثنين، لكي «يصلح» العالم بعد ما خرّبته الحروب والسياسة. منذ بداياته الأولى، شغل الوسط الثقافي الفرنسي والعالمي بمؤلفاته الاستفزازية. فهو لا يتردد أن يكتب عن أوباما وغاري وكامي وليفانس وجان بول الثاني.

لماذا يستفز هذا الفيلسوف الأنيق رجال السياسة والدبلوماسيين والصحافيين والجامعيين ويثير حفيظتهم، بل وحقدهم وحسدهم؟

كثيرون يتساءلون:

هل اقترف هذا الرجل جريمة ضد الفكر والأخلاق والمصالح العليا لفرنسا؟

أبداً، إنه يكتب في الفلسفة دون أن يكون أستاذاً، ويكتب في السياسة دون أن يكون منتخباً، ويكتب تقريراً دون أن يكون صحافياً، ويصبح دبلوماسياً دون أن يعمل في الخارجية الفرنسية.

وبكل بساطة، إنه يخترق كل هذه المجالات دون أن يخلط بينها. الكثيرون يرون أنه يخترق كل الميادين بطريقة «غير شرعية»، لأنه لا يحترم القوانين الخاصة بها.

فهو غير معني بتنسيق أفكاره، ولا بخلق عالم متوازن، لكي يفسر العالم، كما فعل أسلافه من الفلاسفة: كانت، هيغل، ماركس، فرويد، وهايدغر. لذا نجده يوماً كاتب مقال، ويوماً آخر مسرحياً، ويوماً روائياً أو سينمائياً أو تلموذياً دون أن تكون الفلسفة فقط أفقه النهائي.

كتابه الأخير مثل كتبه الأخرى مثيرة للجدل، وهو «الحرب في الفلسفة» ـ منشورات غراسيه ـ يتتبع فيه سيرته كمثقف ملتزم»، معتقداً أن مهمة الفلسفة كانت شرح العالم، فتحولت إلى مهمة تغيير العالم، ولكنه يرفض أن يسجن نفسه في هذا البديل، بل يبحث عن طريق ثالث.

وعندما يذهب لتغطية حدث معين، يختار الجهة التي يقف معها ويساندها، لأنه يعتبر نفسه صحافياً ملتزماً: في البوسنة، يأخذ جانب المسلمين في ربيع 1992، بل يصبح الناطق الرسمي باسم الرئيس إستابيجوفك الذي قلده الوسام. وفي جيورجيا التي يغزوها الروس في أغسطس 2008 يأخذ جانب الرئيس ساكاشفيل.

وفي الهجوم الإسرائيلي على غزة، في يناير 2009 يعيش مع جنود الجيش الإسرائيلي، ويعتبره أكثر الجيوش»أخلاقية» في العالم! إن التزامه مع إسرائيل جعله يقترب من أعلى السلطات السياسية فيها، وحلمه أن يصبح ذات يوم «وسيطاً» في مفاوضات السلام بين إسرائيل وفلسطين. ولا يتردد أن يثرثر عن النزعة الإنسانية في فلسفته.

أما في السياسة الداخلية، فقد ساند في عام 2006 المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال، وأصبح من مستشاريها المقربين، لكي «يضع حداً للأفكار المعادية لأمريكا وإسرائيل والشيوعية. الرئيس الفرنسي ساركوزي يستقبله ليناقشه في القضايا السياسية الراهنة، خصوصاً عن إيران.

وهو لا يخفي طموحاته في الحصول على مناصب سياسية، وعندما اقترح عليه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك منصب وزير الثقافة، لم يتردد لحظة في الموافقة الفورية، وهو يتحدث عن المثقف العضوي الذي يجب أن يحتفظ بمسافة معينة من السلطة.

تناقضات فكرية تجعل هذا الفيلسوف غزير الإنتاج محط كراهية من قبل غالبية الطبقة السياسية والمثقفة في فرنسا.

شاكر نوري