اقترب اثنان من المحررين الأكثر نفوذا في عالم النشر بخشية من البرج في جادة الأميركتين 1211 في مانهاتن.
يضم البرج المكسو بالحجر الكلسي الذي تتخذه «نيوز كوربوريشن» مقرا لها، صحيفة «نيويورك بوست» وقناة «فوكس نيوز» المشاكستين التابعتين للشركة، وهما المفضلتان لدى الرئيس روبرت موردوخ.
إذا لم يكن يطوف في القارات السبع، فإن موردوخ يحكم إمبراطوريته من مكتبه في الطابق الثاني المزين بخريطة للعالم مضاءة من الخلف وتمتد من الأرض حتى السقف، وهي الطريقة المفضلة للإشارة إلى المئات من ممتلكاته الإعلامية من «فوكس برودكاستنغ» التي تتخذ من لوس أنجلوس مقرا لها ومركز «ماي سبايس» الرئيس في وادي السيليكون إلى شركة القنوات الفضائية «بي سكاي بي» في المملكة المتحدة.
يقسم جناح الطعام الذي يستقبل فيه موردوخ ضيوفه إلى ثلاث غرف منفصلة لكل منها موضوع يتطابق مع إحدى الوسائط الإعلامية التي يسيطر عليها موردوخ.. الصحف والأفلام والتلفزيون. التكتم سيد المكان، وهكذا فإن النافذ الذي يزور موردوخ لا يقلق من ظهوره في اليوم التالي في القيل والقال في الصفحة السادسة من نيويورك بوست.
ونظرا لطبيعة زيارتهما، كان التكتم مهما للضيفين اللذين قصداه في مساء يوم ربيعي قبل خمسة أعوام، وهما رئيس تحرير «تايم إنكوربورايتد» آنذاك نورمان برلستين ونائبه جون هوي. وقد جاء الرجلان طلبا للدعم من القطب الإعلامي الذي يخشاه الأقطاب الآخرون ويحترمونه.
كان برلستين وهوي يواجهان كابوسا محتملا في العلاقات العامة. فطوال أشهر، حاولا فصل مجلة تايم عن «بلايم غيت»، وهي فضيحة التسريبات الصحافية من الجناح الغربي إلى البيت الأبيض في عهد بوش التي كشفت هوية العميلة السرية في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه)، فاليري بلايم.
كان المسؤولان في المجلة اللذان وضعهما مدع خاص يحقق في المعمعة في موضع حرج، لا يزالان يسعيان جاهدين للحصول على إغاثة قانونية.
لكنهما كانا يدركان أيضا أن الملاذ الوحيد الآخر بالنسبة إليهما قد يكون عبور ذلك الخط الصحافي المقدس جدا، وهو الكشف عن المصدر السري لمراسلهم، الذي تبين أنه كبير الموظفين لدى نائب الرئيس ديك تشيني، آي لويس (سكوتر) ليبي. ولذلك جاءا لزيارة موردوخ كي يطلبا دعمه لموقفهما القانوني، كما يتذكر برلستين.
مفاجآة
ويقول هيوي إنهما كانا يسعيان أيضا للحصول على وعد بأن تكون ردة فعل وسائل الإعلام التابعة لموردوخ مخففة إذا اضطرا إلى الكشف عن مصدرهما السري. لم يريدا أن يظهرا على الصفحة الأولى لنيويورك بوست ورأسهما موضوع على جسم جرذ مثلا (هذا هو مستوى النفوذ الكبير الذي تمارسه نيويورك بوست على النخبة الإعلامية في مانهاتن). وعلى الفور قال موردوخ «اتفقنا»، فكان للأمر وقع المفاجأة على رئيس التحرير ونائبه.
ولما كان لدى الصحافيين وقت ضائع، فقد تحولا للحديث عن مأزق «داو جونز»، المؤسسة الأم لوول ستريت جورنال التي كان برلستين مدير تحريرها بين 1983 و1991.
سألا موردوخ إذا كان قد قرأ الخبر المنشور في فورتشن بعنوان »داو جونز.. هل تريد العائلة الانسحاب أخيرا؟« والذي قال فيه الشخص الذي يتولى منذ وقت طويل إدارة ممتلكات عائلة بانكروفت التي تملك شركة داو جونز، إنهم يريدون ربما بيع «السهم بستين دولارا»؟ لم يكن موردوخ قد قرأ الخبر لكنه أثار اهتمامه.
فقد قال مازحا «بهذا السعر، أستطيع شراء جورنال فأصبح رجل صحافة بكل معنى الكلمة»، ولمعت عيناه لفكرة تولي رئاسة تحرير الصحيفة الرمز.
حلة جديدة
قبل بضعة شهور، حين فتح القراء صحفهم في احد أيام مايو 2008، اكتشفوا وول ستريت جورنال في حلة جديدة مصممة بحسب أذواق الرجل الذي أحدث ثورة في الأسواق الإعلامية من أستراليا إلى أمريكا الشمالية.
فمن خلال التركيز المتزايد على السياسة والأخبار الدولية والثقافة والرياضة، جورنال في التصور الجديد الذي وضعه لها موردوخ هي إعلان حرب رسمي على المؤسسة الصحافية الأكثر وقارا «نيويورك تايمز».
لم يحصل صدام بهذا الحجم بين جبارين في عالم الصحف منذ أن تحدت نيويورك جورنال لويليام راندولف هورست صحيفة نيويورك وورلد لجوزف بوليتزر في أواخر القرن الـ 19.
وكما كانت الحال عندما شن هورست هجومه على بوليتزر، لايزال موردوخ ـ ابن صحافي أسترالي ـ يعتبر أن الصحف هي الوسيلة الإعلامية الأكثر نفوذا في صياغة الخطاب العام، حتى في قرن الإعلام الجديد هذا.
وقد تتفاقم المعركة بطرق لا يمكن توقعها إذا اشترى عمدة نيويورك الملياردير، مايكل بلومبرغ، شركة تايمز. فقد علمت نيوزويك أن المعاونين الكبار للعمدة الذي كان يعمل في السابق مديرا تنفيذيا للمعلومات، يشجعونه على القيام بذلك.
ليس صعبا أن نخمن ما هو الدور الذي سيؤديه موردوخ في هذه المعركة. فقد وجهت إليه معظم الصحافة «المحترمة» التي تصوره كاريكاتوريا بأنه وريث صحافة هورست الصفراء، انتقادات لاذعة عندما اشترى داو جونز بخمسة مليارات دولار قبل سنتين على أساس 65 دولارا للسهم الواحد. احتج أتباع الموضوعية في الصحافة بأنه سيلطخ جورنال بمزيج من الموضوعات المثيرة والتعبير عن الآراء انطلاقا من مصلحة ذاتية.
محترمة ومتزنة
يبدو أن موردوخ يعرف أن من الغباوة تدمير اسم جورنال (إنها قاذفة لهب تعرف على ما يبدو الفارق بين إحراق شيء ما إحراقا سطحيا وإشعاله بنيران قوية). جورنال الجديدة محترمة ومتزنة وقابلة للقراءة كما كانت دائما، إنما مع نظرة عالمية أوسع تهدف إلى استقطاب جماهير خارج قاعدتها التقليدية المحدودة. لكن هل هذا ما يريده قراء جورنال؟
كي نفهم سبب تلهف موردوخ البالغ من العمر 79 عاما لهذه المعركة بالذات، لا حاجة لأن ننظر أبعد من الأمور الثلاثة التي تشكل شغفه في الحياة.. الطباعة والسلطة والاحترام.
فعبر استخدام اطلاعه على مجال الطباعة (أطلق إمبراطوريته حين أورثه والده صحيفة أدلاييد نيوز الأسترالية عندما كان عمره 22 عاما)، حقق موردوخ السلطة. وماذا عن الاحترام؟ حسنا، الحصول عليه أكثر صعوبة، ولا يمنحه إياه إلا على مضض من يحترمونه ويكرهونه ويحسدونه في الوقت نفسه.
أنشأ موردوخ واحدة من أكبر الإمبرطوريات الإعلامية في العالم، مجموعة شركات تقدر قيمتها بـ 60 مليار دولار أمريكي، وسوف تنتقل ذات يوم إلى أولاده الستة .الأسبوع المقبل: مردوخ الذي نشأ عند ركبة والده .
عن نيوزويك الأميركية
