كان من الممكن لملتقى «إيفرا- وان»، الذي جرت فعالياته على مدى يومين، خلال الأسبوع الماضي، في دبي، أن يتحول إلى «مؤتمر آخر» من تلك المؤتمرات الإعلامية التي تسوّق نظريات وتخرج بتوصيات، وتظل حبيسة نظرية «المرسل والوسيط والمتلقي» التقليدية، بما تشتمل عليه من علاقات حرجة ومأزومة، أو ناجحة ومبهرة.
لكن المؤتمر، الذي كان لـ »البيان« سبق الرعاية وتقديم النماذج العملية خلاله، كان مفاجأة حقيقية للحضور، الذي تمكن من الاطلاع على أحدث التوجهات في عالم الإعلام، وتحديدا الصحف، ومستقبل هذه الصناعة العريقة، في ظل التطور غير المسبوق لأدوات التكنولوجيا وما يصاحبه من انفتاح مذهل على مصادر المعلومات، بمختلف أشكالها وأنواعها.
لا يتسع مقال واحد بالتأكيد، للمرور على مختلف المحاور التي طرحها المؤتمر، لكن لائحة من الأفكار التي تتعلق بالشبكات الاجتماعية (فيس بوك، تويتر ويوتيوب) وتأثيرها الكبير على جيل كامل من الشباب والناضجين حول العالم، وكذلك اقتحامها لادوار كانت إلى وقت قريب حكرا على الصحافة، مثل مد القارئ بالمعلومات وخلق علاقة تفاعلية بينه وبين المجتمع المحيط.. تلك الأفكار كانت مخيمة بشكل رئيسي على جلسات المؤتمر.
جزيرة معزولة
»لماذا تعيش الصحف في جزيرة معزولة، تأبى أن تمد منها جسورا إلى تلك الأنفاق الجديدة التي يدخل فيها الناضجون، مستخدمو الإنترنت، مثل الفيس بوك وغيرها؟ كيف يمكن أن تنتقل الصحف من مرحلة العداء أو الخوف من تأثير تلك الوسائط المعلوماتية الحديثة، إلى مرحلة الشراكة، أو الاستفادة، على الأقل، من النموذج الذي قدمته هذه الوسائط؟»، تلك أسئلة كانت حاضرة بقوة على المتحدثين في جلسات المؤتمر.
يقول رينز ميتلباخ الرئيس التنفيذي ل«وان- ايفرا» أنه يتوجب على الصحف أن تنظر إلى الوسائل الناجحة لتلك الوسائط في جذب الجمهور، وتحويل القراء- المستخدمين، إلى عملاء محتملين، مستهلكين للمعلومة، سواء كانت فكرية أو تجارية.
كلام ميتلباخ يأتي متوافقا مع كلام آلاف المستشارين، الذين يعملون لصالح مواقع الشبكات الاجتماعية اليوم، ويحملون حقائبهم بين نيويورك وشنغهاي وبانكوك ودبي، لكي يقنعوا مدراء التسويق ومتخذ القرار في الشركات، بجذبهم إلى المواقع لكي «يتصيدوا» من خلالها الزبائن المحتملين. لكن هل الأمر فعلا ينطوي على هذا القدر من السهولة؟
إن الكثير من الحالات تؤكد على أن العلاقات الجيدة التي بوسع موظفي الشركات أن ينسجوها مع المستخدمين على مواقع المدونات الالكترونية والمحادثات الاجتماعية، ليست، بالضرورة، وجها آخرا للأرباح! لقد تمكنت شركة «ساتشي أند ساتشي» العالمية لحلول الاتصالات، أن تقنع عمليها العملاق «تويوتا» بحملة إعلانية مختلفة، تستخدم مواقع الشبكات الاجتماعية، وتحديدا «فيس بوك»، لدس الرسالة الإعلانية لشركة السيارات الأكثر ربحية في العالم.
كانت الفكرة تتمحور حول استخدام «قفشات» برنامج شهير اسمه «بانكد» يبث على شاشة «أم تي في»، من أجل اقتحام حياة المستخدمين، بطريقة ساخرة، تثير انتباههم للحملة الإعلانية.
مشاغب بريطاني
تقول أمبر دويك، إحدى المستخدمات التي كانت من بين المستهدفين في الحملة أنها تلقت رسائل على صفحتها على «الفيس بوك» من مشاغب بريطاني وهمي يشجع كرة القدم، اسمه سباستيان باولر، قال لها أنه قادم لزيارتها إلى منزلها بصحبة كلبه.
ولم ينس باولر ان يرفق الرسائل بوصلة إلى صفحته على موقع «ماي سبيس تفقدت أمبر الوصلة، لكي تفاجأ بمعلومات عن شاب لاه، يفرط بالشراب وارتكاب الأفعال غير المسؤولة. لاحقا، تلقت فاتورة (وهمية أيضا) من فندق يطالبها فيها بدفع تعويضات عن الخسائر التي خلفها باولر خلال إقامته في إحدى غرف الفندق، حيث أنه ترك «بريدها الالكتروني» في بياناته. ماذا كانت النتيجة؟
لقد انقلب النوايا الايجابية إلى نتائج سلبية وتحولت المزحة إلى دراما حقيقية، حين رفعت أمبر دعوى قضائية على شركتي «ساتشي أند ساتشي» و«تويوتا» (بعد أن تبينت أنهما المسؤولتان عن هذه الرسائل) بحجة انها نامت أكثر من أسبوع، وهي تمسك بسكين بيدها، خوفا من الزيارة المزعومة لمقترف المشاكل..
مشجع كرة القدم!
طبعا الشركتان تقولان أنهما لديهما الأدلة الكافية التي تثبت للمحكمة أن المستخدمة قد وافقت، في علاقتها مع الموقع الالكتروني، ان تتلقى رسائل اعلانية من «تويوتا»، بغض النظر عن شكل وطبيعة هذه الرسائل.
إن هذه الحادثة، وعشرات الحوادث الأخرى التي تظهر كل يوم، تثبت أن اللجوء إلى هذه النوعية من الوسائط التي تتصاعد نجوميتها، ليس دوما أمرا مأمونا. وأن الحدود التي يمكن للعلاقة بين شركات الاعلانات وهذه المواقع أن تصل اليها، ليست دوما في مصلحة المستخدمين.
» هل الصحيفة في خطر؟ لا أقول أنها في نعيم، ولكنها أيضا لا تزال احدى الوسائط الأكثر أمانا في تعاطيها مع المتلقي»، يقول ميتلباخ.
دبي- رولا علي
