الكرم والجود والعطاء ليس غريبا على إمارة دبي التي تفرش سجادتها الحمراء دائما لاستقبال ضيوفها وزوارها خلال مهرجاناتها واحتفالاتها التي تتجدد باستمرار وتملأ الدنيا فرحة وتألقا، وفي هذا العام استطاعت فعالية الطبخ الشعبي في مهرجان دبي للتسوق 2010 أن ترسخ جذورها في الحاضر الجميل من خلال إعداد الولائم المجانية الضخمة، التي تتعاون على تحضيرها 20 سيدة في قرية الغوص، في منطقة الشندغة.
«تراثنا يعيش فينا وماضينا يستحق أن نحافظ عليه ونتباهي به أمام الشعوب».. هكذا ابتدأت حمامة عبيد إحدى السيدات المشاركات في فعالية الطبخ الشعبي في قرية الغوص، حديثها عن الولائم التي تعدها مع قريباتها وصديقاتها خلال مهرجان دبي للتسوق 2010 وقالت: «نشارك كل عام في مهرجان دبي للتسوق للتعبير عن تراثنا، ولتعريف الأجانب والزوار على أكلاتنا الشعبية وكيفية إعدادها، كذلك لنرسخ مفهوم التعاون والوحدة في نفوس أبنائنا وأحفادنا، فنحن 20 سيدة تجمعنا صلة القرابة والصداقة، ونجتمع يوميا في قرية الغوص من الساعة الرابعة عصرا وحتى العاشرة مساء من أجل التعاون في إعداد الولائم التي يأكل منها قرابة ال300 شخص يوميا».
وعن مقادير مكونات الطعام المستخدمة يوميا قالت حمامة: «نطبخ يوميا أكثر من 80 كيلو من الأرز، و125 دجاجة، كما نستخدم صناديق كبيرة من الطماطم، والبصل، والثوم، والكزبرة، والليمون اليابس، وكميات كبيرة من البهارات، والفلفل الأخضر، والخضراوات، من أجل إعداد «مكبوس الدجاج، ومكبوس اللحم، وصالونة اللحم، وصالونة الدجاج مع الأرز الأبيض، والبرياني، والهريس» وغيرها من الأكلات، حيث نطبخ كل يوم أكلة جديدة لنعبر عن تنوع سفرتنا الإماراتية الغنية».
الاعتماد على النفس
وأكدت حمامة أنها وقريباتها يعملن بتعاون وانسجام، حيث تعرف كل واحدة منهن مهمتها وتؤديها على أكمل وجه وقالت: «علمتنا أمهاتنا الاعتماد على أنفسنا في إعداد الطعام إلى أن أصبحنا ربات بيوت ماهرات لا نحتاج إلى مساعدة أحد وكم أتمنى أن يأتي اليوم الذي نرى فيه بناتنا يجلسون مثلنا في هذه البيوت التراثية ويقمن بإعداد الطعام على الطريقة القديمة باستخدام الأواني الكبيرة والنار والحطب، ويعرفن الزوار على ماضينا الجميل».
وتقوم السيدات في الساعة الرابعة والنصف عصرا بتقسيم أنفسهن إلى مجموعات، فمجموعة تتولى تنقية الأرز قبل استعماله، ومجموعة تتولى تقطيع البصل، والثوم، والكزبرة، وتنظيف الدجاج وتتبيله، ومجموعة تقوم بجمع الحطب وإشعال النار، ومجموعة تخلط المكونات وتقوم بطبخها، وعندما ينتهين من إعداد الطعام في وقت المغرب يتبادلن الحديث والسمر، وشرب القهوة، وسرد قصصهن ومشكلاتهن، كما يقضين بعض الوقت في خياطة الملابس، والمساند التي توضع خلف الظهر وتحت اليد للاتكاء عليها، وبعد صلاة العشاء يتعاون الرجال والنساء في سكب الطعام في الصواني الكبيرة التي تزين بقطع اللحم أو الدجاج والمكسرات، وتكون الدعوة عامة لمن أراد أن يأكل من الزوار والعاملين بالقرية.
وتقول حمامة عن إقبال الناس: «قمنا بزيادة كمية الطعام بناء على طلب الجمهور، والحمد لله خير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كثير ويكفي الجميع، كذلك يطلب بعض الزوار أن نضع لهم كمية معينة ليأخذوها إلى بيوتهم، وبالنسبة إلى الأجانب فإقبالهم كبير، حيث يجلسون معنا، ويأكلون مثلنا بدون استخدام الملاعق، ويثنون على طعامنا بابتسامة عريضة وبكلمة { very good ».
وعن كميات الطعام المتبقية قالت حمامة: نادرا ما يكون هناك كميات متبقية من الطعام، وإن وجدت فهي قليلة جدا ولكننا لا نقوم برميها لأنها نعمة من عند الله، بل نضعها في صحون صغيرة ونأخذها إلى بيوتنا. وأكدت حمامة على أهمية هذه الأجواء العائلية التي يشعر فيها الجميع بقيمة الماضي الذي كان يجمع أفراد العائلات الكبيرة تحت سقف واحد في بيت كبير ليتناولوا طعام الغداء أو العشاء سويا.
مهمة الشباب
وبعد الانتهاء من الأكل ينهض الشباب لتنظيف المكان، وغسل الصواني الكبيرة، والقدور الضخمة التي أعدت فيها الولائم، حيث ينظفونها بمهارة تحت إشراف بعض السيدات نظرا لثقل حجمها، في حين يقوم الزوار والضيوف بشرب القهوة العربية أو الشاي مع التمر اللذيذ.
تثقيف
قال أنور الهنائي مدير إدارة قرية التراث والغوص-: المهرجان ترفيهي وتثقيفي بالوقت نفسه، وقد قمنا باسترجاع مشهد قديم بكامل تفاصيله، من خلال فعالية الطبخ الشعبي، التي نهدف من ورائها إلى تعليم أبنائنا وبناتنا الحفاظ على مورثنا الشعبي العريق الذي يتمسك به آباؤنا وأجدادنا، كما إننا نريد أن نعرف الضيوف والزوار على تقاليدنا القديمة، وعلى سفرتنا الإماراتية العامرة بالأكلات التراثية الشهية من خلال مهرجان التسوق الذي يجمع العالم في دبي، وكم أتمنى أن يحذو أبنائنا وبناتنا حذو الأجداد في تعاونهم وحفاظهم على إحياء التراث.
ريما عبدالفتاح


