شاشات طويلة تحدّ جهات الفضاء، وتعرض لقطات مصوّرة لحروب ومجازر حصدت أرواح الألوف من الأبرياء، ثم يدخل المكان رجل مسنّ، منّهك ومذعور، يلوذ من خطر يتهدده، ويناجي روحه المعذبة، حتى كأنه يخرج لتوه من قلب عدسة التصوير، لتبدأ بذلك حكاية الجرح الفلسطيني النازف التي قدّمها العرض المسرحي «بيان شخصي» في ختام فعاليات «أيام مقدسية» على مسرح القباني في العاصمة السورية دمشق.

والعرض من تأليف مؤنس حامد وعبد الرحمن أبو القاسم ومن إخراج جهاد سعد، وهو ينتمي إلى عروض الممثل الواحد (المونودراما)، ويدور حول شخص فلسطيني بسيط، ورث عن أبيه الفقر ومهنة جمع القمامة، وورث عن جيله خيبات المناضلين والحالمين بالثورة في كل أرجاء العالم، وتداعيات ذاكرته تأخذنا إلى محطات مفصلية في حياته تبدأ من طفولته البائسة وعلاقة والده القاسية به، إلى سنوات الاعتقال الطويلة في سجون الاحتلال، ثم اللجوء والمقاومة، فزيارة ضريح الرئيس جمال عبد الناصر في طريق العودة إلى غزة، حيث السلطة المنقسمة على ذاتها، والاقتتال الفلسطيني الفلسطيني.

ومحطات الذاكرة لا تأتي وفق تسلسلها الزمني الطبيعي.

بل وفق مبدأ التداعي الحر الذي تحدثه صورة ما أو جملة سابقة، وهي تأتي محمولة على سرد رشيق مبني باللهجة الفلسطينية، غني بتلاوينه التعبيرية، مرة يستند إلى الأسلوب التهكمي، وتارة يقارب الشعر في حساسيته المرهفة، وأخرى الفكر في عمق رؤاه، لكنه في كل الأحوال يبني مجازه الواسع في الفضاء منطلقا من التجربة الشخصية إلى ما هو صميمي ومشترك، لتغدو السيرة الذاتية سيرة شعب تضافرت عليه الظروف الداخلية والعربية والدولية، كي يُحرم من حقه الطبيعي في حياة آمنة وكريمة على تراب أرضه.

وعليه فإن الشخصية المقترحة هي شخصية مركبة ومتعددة الجوانب بامتياز، تحمل مؤثرات وتعقيدات وتناقضات الوسط المحيط، وتعكس ملامحها شريحة واسعة من الفلسطينيين، فهو المسحوق على أرضه وفي مخيمات اللجوء، المنسي في المحافل الدولية، لكنه دوما يتصدر نشرات الأخبار، وهو الحالم والمدعي، زير النساء الذي يقضي ليله وحيدا، هو الخائف والمتوعّد الذي أنهكه البحث عن الخلاص دون جدوى، فأعلن نفسه مخلّصا للبشرية جمعاء، وهو من يحاول الانتحار في كل يوم.

لكن الحبل ينقطع من شدة ما ينوء مصيره من أثقال، فيعود ثانية إلى شاشات التلفزة وصور المعارك والقتلى، وقد استطاع الفنان عبد الرحمن أبو القاسم بأدائه الجميل الهادئ أن يضفي على هذه الشخصية ملامحها الواقعية ومذاقها الخاص بابتكاره مفاتيح حركية وجمل لفظية تميزها عن سواها، لقد غنى ورقص وتهكّم وفكر بصوت عال وملأ خشبة المسرح حياة تضج بالمآسي والمفارقات المضحكة، وحين ختم البيان الشخصي بالقول: امسكوا أحلامكم جيدا، كي لا يقبض عليها الجلاد، وقف جميع الحضور مصفقا له.

أما جهد المخرج جهاد سعد فقد كان منصبا على أداء الممثل، وعلى إقامة حاضنة رمزية وسوريالية الملامح تناسب الحالة المقترحة، فالفضاء كان مضغوطا ومحدّدا بشاشات العرض الطولانية والإضاءة الشاحبة، ومساحة الحركة كانت ضيقة، تتوسطها حاوية القمامة والمكنسة، وتتوزع على جانبيها أكوام الجرائد والكتب وصور المناضلين الراحلين في إشارة واضحة إلى مآل الحلم العربي بالثورة وتحرير الأرض والإنسان.

بطاقة

تأليف: مؤنس حامد، عبد الرحمن أبو القاسم

إخراج: جهاد سعد

تمثيل: عبد الرحمن أبو القاسم

مساعد مخرج وتصميم إضاءة: عبد الحميد خليفة

ديكور: محمد خليلي

إنتاج: اللجنة الوطنية العليا لاحتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية2009 بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية-مديرية المسارح والموسيقى

دمشق - تهامة الجندي