في قرية «النعيرية» بل في حارة منها اسمها «بساتين العاصي»، ولد سليمان احمد العيسى العام 1921 في هذه الحارة التي يمر فيها نهر العاصي على بعد أمتار من بيته القرميدي كان تكوينه الأول على يد والده الشيخ أحمد العيسى، وتحت شجرة التوت، صديقته، التي تملأ فناء الدار كتب قصائده الأولى، وهناك أيضًا شتم المتنبي وأبا تمام وأحمد شوقي وكل الشعراء الذين كانوا يقفون في طريق لعبه ولهوه، تلقى تعليمه في القرية وأنطاكية وحماة ودمشق.
وتخرج في دار المعلمين العليا ببغداد، عمل مدرساً في حلب وموجهاً أول للغة العربية في وزارة التربية. عاش حوالي ثلاثة أرباع حياته في قبو مستأجر تحت الأرض 20 سنة في قبو مستأجر في حلب و32 سنة في قبو مستأجر في دمشق يحتاج الدخول إليه النزول عشر درجات، ولا تزال حياته كلها رحلة مرة وسفرًا بين الشوك والصخر، والنار والجليد.
فتح عينيه على مصائب ونكبات كثيرة حلت بوطنه الكبير لكنه ازداد إيمانًا على مر الأيام بأن هذه الأمة أقوى من الموت وأنها لا تزال قادرة على تجديد شبابها يعود بالذاكرة قائلاً: فشلت في الالتحاق بالمدرسة الابتدائية عندما أصبحت في سن تخولني ذلك، فلم يكن الأمر سهلاً أن يذهب طفل صغير من الريف إلى المدينة فبالإضافة إلى بعد المدرسة عن القرية لم يكن والدي ميسورًا.
وعندما أتيح له أن يرسلني إلى المدرسة في أنطاكية كنت تأخرت ثلاث أو أربع سنوات مضت عليّ وأنا أتعلم في بيتنا، في المكتب أو الكتّاب مع مجموعة من أطفال القرية، هناك في «أنطاكية» دخل المدرسة وهي الابتدائية الوحيدة في المنطقة وفي الريف كله وهذا ما لم يكن يعرفه في مكتب والده،.
حيث كنت اجلس على الحصير مع حوالي 20 إلى 30 طفلاً نحفظ ونقرأ في الفترة التي دخل فيها المدرسة كانت قد قامت انتفاضة في لواء اسكندرون بقيادة زكي الأرسوزي استمرت أربع سنوات في أواسط ثلاثينات القرن الماضي شارك فيها وهو في الصف الرابع ورمى الحجارة كما يفعل الآن أطفال فلسطين، وكان يعلم أن هذه الانتفاضة سيقضى عليها لأننا ضعفاء لا نملك شيئًا والقوى غير متكافئة فضلاً عن أن فرنسا وحلفاءها كانوا مصممين على قطع رأس سوريا الأخضر.
يقول عن نفسه فشلت في أن أكون روائياً وتمنيت غير مرة لو امتلكت موهبة الرواية لكنت نسجت أحداث البدايات والطفولة في قصة طويلة جرت أحداثها في حيي وفي حجرتي هذه الحجرة الصغيرة التي هي: «برقة ثهمد» و«حومانة الدراج» و«سقط اللوى» و«الدخول» و«حومل».
بدأ الكتابة الجدية للأطفال مطلع (1967م) وجعلهم همه الأول ولا يزال، ترافقه في ذلك الدكتورة ملكة أبيض زوجته ورفيقة دربه التي يدين لها بنصف إنتاجه تقريبًا وكما يقول أمتلك نصف ثقافتها، واعترف بذلك بلا غضاضة.
على صعيد السياسة يقولون لي لماذا لم تشارك في الحكم كونك أحد مؤسسي الحركة العربية الأولى، قلت لهم لا علاقة لي، خلقنا الله، أناسًا للحكم وأناسًا للحلم. هكذا لخصت قناعاتي، وأنا اخترت الحلم ولا علاقة لي بالحكم إطلاقًا لا من قريب ولا من بعيد، خذوا الحكم واعطوني الحلم، دعوني أتابع طريقي الثقافي والفكري: طريق القضية التي اعتنقتها منذ طفولتي وما زلت أعاني الأمرين في سبيلها .
عبد المنعم الشديدي
