عندما ترى الباحث إريك وارنت وهو ينبش في أكوام روث البقر، فلن يخطر ببالك ولو للحظة أنه يقوم بأبحاث ثورية لتطوير كاميرا متقدمة للرؤيا الليلية بالألوان الكاملة. ويعمل وارنت الآن في مشروع بحثي مشترك مع شركة تويوتا، قد يوفر للسائقين في المستقبل رؤية غير مسبوقة للطريق أمامهم. وفي حقيقة الأمر فإن بدايات المشروع كانت وسط أكوام روث البقر.

فلقد بدأ وارنت في دراسة خنافس الروث في 1985 عندما كان طالب دكتوراه في الجامعة الأسترالية الوطنية في كانبيرا، وسرعان ما تحول اهتمامه بالأنظمة البصرية إلى شغف بدراسة عيون الكائنات الحية عامة.

وهو يعمل الآن في جامعة لوند السويدية، لكنه لا يزال يقوم بزيارات منتظمة إلى بلده الأصلي استراليا. لكن أكثر ما يثير اهتمامه هو العيون التي تستطيع الإبصار في الظلام شبه المطبق ؟ سواءً لتفادى الاصطدام بشجرة خلال التحليق ليلاً أو لرصد شريكاً محتملاً للتزاوج في أعماق المحيط المظلمة.

ولقد قام وارنت بمقارنة المواصفات المتطورة للأنظمة البصرية في ثلاثة أصناف مختلفة من الخنافس، وأيضاً في أنواع النحل والفراش التي تطير ليلاً. والآن بمساعدة خبرات تويوتا الهندسية، استطاع تطوير نظام كاميرا بإمكانيات استثنائية.

يبدي مصنعو السيارات اهتماماً خاصاً بأنظمة الرؤيا الليلية لما تنطوي عليه من إمكانات كبيرة لتعزيز مستويات السلامة، ربما عن طريق مراقبة حركة السائق بحثاً عن أية علامات قد تشير إلى النعس أو الثمالة، أو عن طريق إجراء مسح سريع للطريق أمام السيارة بحثاً عن أية أخطار محتملة.

وهناك الآن بضعة أنظمة من هذه الفئة مستخدمة في بعض موديلات السيارات الفخمة، لكن الموديلات الحالية تعتريها عيوب واضحة. ففي الليل، لا تتجاوز كمية الضوء المتوفرة نسبة واحد من مليار من الضوء المتوفر في النهار، وهذه الكاميرات ببساطة ليست حساسة بما يكفي للاستفادة بأفضل شكل ممكن من كمية الضوء المتاحة.

ولذلك تعتمد أنظمة الرؤيا الليلية عموماً على سطوع الأشعة تحت الحمراء، التي لا تراها العين المجردة. وهذه الكاميرات ترى بلون واحد، ولهذا فإنها تظهر بعض التفاصيل لكنها لا تستطيع الرؤيا بشكل طبيعي، وهذا يفتح مجالات واسعة لتحسين أدائها.

وكان جوناس مادسين وهيروشيمي ياناجيهارا، من مركز أبحاث تويوتا في بروكسل يبحثان عن مصادر إلهام في الطبيعية للتغلب على التحديات الأساسية في تصميم سيارات المستقبل عندما وقع تحت أيديهم مصادفة جزء من أبحاث وارنت على الحشرات الليلية. وكانت هذه مقدمة لبداية التعاون بينهم.

وكان وارنت قد أثبت في أبحاث سابقة أن أصناف النحل والفراش الليلية تمتلك قدرة مميزة على رؤية العالم في الليل بتفاصيل شكلية ولونية كافية للعثور على الطعام وشركاء التزاوج، والهروب من الكائنات المفترسة وتفادي الاصطدام بالأجسام التي قد تعترض طريقها.

ويقول مادسين «بدأنا نرى إمكانية تطبيق أبحاث وارنت على الرؤيا الليلية لدى الحشرات على نظام بصري من نوع جديد». والهدف هو تطوير كاميرا قادرة على رؤية مشهد ليلي بالألوان الكاملة، وقادرة أيضا على العمل ضمن مستويات تفاوت بين درجات السطوع والظل أكثر مما تتيحه تكنولوجيا الرؤية الليلية التقليدية.

ويبدو مادسين وياناجيهارا مسرورين بالنتائج حتى الآن، خاصة وإن النظام المبتكر يستخدم كاميرا رقمية ومعالج دقيق، مما يضمن عدم ارتفاع التكاليف. لقد بدأ الباحثون بالفعل في إجراء التجارب على التقنية الجديدة في مختبرات تويوتا، مع أنه من المبكر الآن اتخاذ القرار في دمجها في تصاميم السيارات في المستقبل، فقد تكون مثلاً جزءا من شاشة تقوم بتحذير السائق عند استشعار وجود شخص يمشي في الطريق على مسافة خطرة من السيارة.

ومهما كانت الطريقة التي سيستخدم بها النظام، فإنه سيؤدي بالتأكيد، بحسب فريق الباحثين، إلى تحسين رؤية السائقين خلال ساعات الظلام التي تشهد تضاعف معدلات الحوادث القاتلة بالمقارنة مع ساعات النهار، وبالتالي سيكون جزءاً أساسياً من تصاميم سيارات الغد.

محاولات

كان وارنت قد أثبت في أبحاث سابقة أن أصناف النحل والفراش الليلية تمتلك قدرة مميزة على رؤية العالم في الليل بتفاصيل شكلية ولونية كافية للعثور على الطعام وشركاء التزاوج، والهروب من الكائنات المفترسة وتفادي الاصطدام بالأجسام التي قد تعترض طريقها. ويقول مادسين «بدأنا نرى إمكانية تطبيق أبحاث وارنت على الرؤيا الليلية لدى الحشرات على نظام بصري من نوع جديد».