ذات يوم في قديم الزمان، كانت هناك سحابة عملاقة من الغاز البارد تطفو في فراغ الفضاء، مثل بقعة سوداء خامدة على خلفية من الظلام الدامس. ثم فجأة ودون سابق إنذار، ظهر دفق رفيع من المادة وكأنه قادم من العدم يندفع باتجاهها كالبرق.
ولدى اصطدامه بالسحابة، تسبب بانضغاط مادتها وإطلاق شرارة عاصفة نارية تشكل في أتونها عدد كبير من النجوم. وهكذا تحولت السحابة الغازية الساكنة إلى مجرة كاملة التكوين.
هل هكذا تولد المجرّات؟ على الأقل هذا ما يعتقده ديفيد إيلباز وفريقه من علماء الفيزياء الفلكية الذي يبدون مقتنعين تماماً بفكرتهم هذه التي تغير حبكة قصة نشأة المجرات وتضع الثقوب السوداء العملاقة في قلب الصورة. فهذه الأجسام الفلكية المتخمة بالطاقة والتي تسمى أحيانا بأشباه النجوم تقوم على الأرجح بإطلاق دفقات قوية من المادة بسرعة فائقة جداً، وهذه الدفقات، باعتقاد إيلباز، هي التي تطلق شرارة تكون المجرات.
وإذا صحّت هذه الفرضية، فسوف تقلب مفهومنا السائد الحالي عن كيفية تشكل المجرات رأساً على عقب، مع أن ذلك لم يكن على بال إيلباز وفريقه، عندما شرعوا في دراسة العلاقة بين الثقوب السوداء العملاقة والمجرات، وهي العلاقة المبهمة التي طالما حيرت الباحثين الذي يحاولون فهم كيفية تكوّن المجرّات الكونية.
لكن كيف يمكن لجسم صغير في المقاييس الكونية كالثقب الأسود أن يؤثر في تكوين المجرات ـ كان إيلباز وزملاؤه يعرفون أن بإمكان الثقب الأسود العملاق التأثير في محيطه بشكل غير متوقع عندما يقذف دفقات المادة مثل نوافير عملاقة في اتجاهين متعاكسين، بسرعات تقارب سرعة الضوء لأول بضع سنوات ضوئية، وهو ما يتيح لها الخروج من حدود المجرة المحيطة الأم وقطع ملايين السنين الضوئية في عمق الفضاء الكوني.
ولاكتشاف المزيد عن خصائص تلك الدفقات القوية من المادة، بدأ فريق إيلباز في دراسة شبه نجم غير عادي يدعى ب0540-8592، يبعد عن الأرض حوالي خمس مليارات سنة ضوئية، ويلقب بشبه النجم «العاري»، هو عبارة عن ثقب أسود عملاق بدون مجرة محيطة، وهو الوحيد المكتشف من هذا النوع حتى يومنا هذا.
ولقد اشتبه بعض الفلكيين بوجود مجرة مخبأة حول شبه النجم ب0540-8592، تحجبها عن الرؤيا كميات كبيرة من الغبار.
وبما أن الغبار يتوهج في الأمواج تحت الحمراء، استخدم فريق إيلباز أجهزة تعمل بالأشعة تحت الحمراء على تلسكوب «فيري لارج» في تشيلي للتحري حول مدى صحة هذه الفرضية، لكنهم وبمحض الصدفة اكتشفوا امراً مذهلاً لم يكن متوقعاً البتّة.
فبينما كانوا يراقبون ذلك الثقب الأسود عن كثب، لاحظوا ان دفقات المادة القوية المنبثقة عنه تندفع في عرض الفضاء مثل شعاع ليزري لتخترق مجرّة على مسافة 23 ألف سنة ضوئية.
والمثير للاهتمام ان تلك المجرة تزخر بالنجوم اليافعة الساطعة وتولّد المزيد منها بوتيرة تعادل توليد 350 شمساً بالسنة، أي أعلى بمئة مرة من متوسط معدلات ولادة النجوم في المجرات المجاورة. واستنتج إيلباز ان تشكل النجوم الجديدة بهذه الوتيرة المحمومة ليس صدفة، وإنما يشير إلى أن «دفق المادة المنطلق من شبه النجم هو الذي أوجد المجرة.»
وهذا يتضارب بشكل بمباشر مع الرؤى الحالية السائدة لكيفية تشكل المجرات والتي تجمع على أن المجرات تولد أولاً ثم تليها الثقوب السوداء. لكن إيلباز وزملاؤه يعتقدون أن العكس صحيح: الثقوب السوداء العملاقة هي التي تطلق شرارة تكوّن المجرات.
تضارب الرؤي
في حالة شبه النجم بـ 0540-8592، يعتقد الباحثون انه بدأ كثقب أسود عملاق مضى يمتص الغاز من الفضاء المجري المحيط به إلى أن أصبح شبه نجم. وظل يكبر حتى حانت لحظة الحسم قبل حوالي 200 مليون سنة حين انبجست منه دفقات المادة، وسارت في الفضاء إلى أن اصطدمت بسحابة غازية على مسافة 23 ألف سنة ضوئية، مرسلة الأمواج الصاعقة عبر الغاز، مما أشعل شرارة تشكل المجرة التي نراها اليوم.
وفي حين عبر العديد من العلماء عن إعجابهم بنتائج هذه الدراسة، بمن فيهم عالم الفيزياء الفلكية جوزيف سيلك من جامعة أكسفورد، فقد شكك بها البعض الآخر، ومنهم ديفيد مريد من معهد روشستر للتكنولوجيا في نيويورك، الذي قال «قام فريق إيلباز بعمل بارز عندما أظهروا أن شبه النجم يؤثر في المجرة المحيطة، لكن هذا لا يعني بالضرورة انه مسؤول عن تشكيلها».
إعداد ـ علي محمد
