يسود الإجماع في صفوف العلماء على أن عالم البحار يظل حافلًا بالألغاز والأسرار التي تتحدى محاولات سبر أغوار غموضها، لكن الكثيرين يعتقدون أن السمك المعروف باسم السمك المدان، أو المحكوم، يعد من أكثر أنواع الكائنات البحرية غموضاً وغرابة واستعصاء على محاولات إزاحة الستار عن أسراره العجيبة.
وقد حدد العلماء هذه النوعية من الأسماك على أنها تنتمي إلى الفصيلة المعروفة علمياً باسم «فوليديكثير ليوكوتيانيا»، وهي فصيلة من الأسماك تشاهد عادة في الأحواض أكثر مما تشاهد في البيئة الطبيعية، وقد برهنت الأبحاث على أنها لا صلة لها بأي نوع آخر من الأسماك.
وكانت الباحثة يوجين كلارك، المتخصصة في دراسة أسماك القرش، قد اهتمت بهذه الفصيلة من الأسماك، التي استمدت اسم الشهرة الذي عرفت به من مظهرها القريب من مظهر السجناء المدانين، الذين تجمع ملابسهم بين الخطوط البيضاء والسوداء.
وعلى الرغم من أن كلارك كرست سبع سنوات لدراسة هذه الفصيلة، إلا أنها ظلت لا تعرف كيف تحمل الأسماك البالغة صغارها، أو حتى ما الذي تأكله هذه الأسماك، من بين ألغاز أخرى عديدة لا تزال بعيدة عن فك مغاليقها.
وقد درست كلارك هذه الأسماك قبالة ساحل بابوا نيوغينيا، حيث صادفت مجموعة منها للمرة الأولى في حياتها، وعادت مجدداً للقيام بمزيد من الدراسات في جزر سليمان.
حيث تمكنت من رصد وتصوير صغار هذه الأسماك وهي تنطلق في الصباح خارجة من ثقوب في الحيود المرجانية لتتغذى على البلانكتون، وتظل دائرة حول أوكارها في دائرة نصف قطرها 165 قدماً، ومع انتهاء النهار تعود إلى بيوتها، وهو سلوك غير مألوف بالنسبة للأسماك الصغيرة التي تعتاد على أن تجرفها التيارات البحرية على امتداد أميال بعيدة. وتقول كلارك في هذا الصدد: «ليست هناك أي أسماك مرجانية ذات صغار تعود لأهلها بعد انقضاء النهار».
وفيما تنطلق الصغار على هذا النحو، فإن الأسماك الكبيرة تظل في داخل الأوكار لتنظيفها، وتطل برؤوسها مرة بعد أخرى، لتبصق ملء أفواهها من الرمال التي دفعتها التيارات المائية إلى الداخل. وقد أسفرت الأبحاث الحديثة التي أجريت حول هذه الأسماك عن تصوير أفلام نادرة حول الحياة في داخل أوكارها.
حيث تبدو عناقيد من الأسماك الصغيرة معلقة بسقف الوكر، الذي يشبه المتاهة، من أفواهها عبر الإمساك بخيوط دبقة، رفيعة، ولا تكاد ترى بالعين المجردة في الماء، وتظل الصغار معلقة على هذا النحو الغريب طوال الليل.
وتقول كلارك، في معرض التعقيب على هذا المشهد: «إنه أغرب المشاهد التي وقعت عليها عيناي طوال حياتي، ونحن لا نعرف لم إذا تقوم هذه الأسماك بتثبيت نفسها على هذا النحو، وربما تفعل ذلك لتوفير الطاقة والأكسجين».الغريب أيضاً أن السمكة الكبيرة من هذه الفصيلة يمكن أن يصل طولها إلى نحو قدمين تقريباً، لكنها لا تغادر الوكر أبدا لتقتات، ومع ذلك تبتلع ملء أفواهها من الصغار، وتعود بعد ذلك لتلفظها.
وتقول كلارك إنها في البداية اعتقدت أن الأسماك الكبيرة تلتهم الصغيرة، لكنها عندما فحصت معدات الأسماك الكبيرة لم تعثر إلا على مادة سوداء رخوة، فهل تأكل الكبيرة فضلات الصغيرة؟ أم أن الكبيرة تدخل الصغيرة في أفواهها لتحميها؟ ربما تكون جلية الأمر أن الصغار تعود فتخرج البلانكتون الذي أكلته داخل أفواه الكبار.
