في مواجهة محاولات التضليل التي يقوم بها البعض في الغرب، والتي يحاولون في إطارها تشويه صورة الإسلام والمسلمين، تبرز إضاءة جديرة بالتوقف عندها طويلا، حيث تشهد لندن حاليا معرضا فريدا من نوعه يستقطب أنظار الكثيرين، وهو معرض «1001 ابتكار» المقام في متحف العلوم، والذي يلقي الضوء على عبقرية العلماء المسلمين وإنجازاتهم الفريدة، من بغداد إلى القاهرة فدمشق، وصولا إلى قرطبة وغيرها من العواصم الإسلامية، التي توهجت بأنوار العلوم والمعارف، فيما كانت أوروبا غارقة في ظلام القرون الوسطى، وكان من المستحيل أن تصل إلى عصر النهضة وزمن التنوير إلا عبورا على جسر ما قدمه العرب والمسلمون للعالم من معارف وعلوم وابتكارات وإبداعات شتى.
وتوقف الكثير من رواد المعرض عند المجسم الذي يمثل العالم الأندلسي الشهير عباس بن فرناس خلال محاولته الطيران بالاستعانة بأدوات رائدة، كفلت تخليد اسمه، بحيث يطلق الغربيون عليه اليوم لقب دافنشي العالم الإسلامي، كما أطلق اسمه على فوهة بركانية على سطح القمر، تخليدا لمحاولته التي قام بها وهو في الخامسة والستين من عمره للتحليق بما يشبه طائرة منزلقة من فوق جبل بالاستعانة بقوة الريح، حيث يقال إنه حلق بهذه الطريقة عاليا لبعض الوقت قبل هبوطه على الأرض على نحو أصابه بألم حاد في الظهر.
وفي صدر المعرض تصافح عيون الرواد نسخة طبق الأصل ارتفاعها ثلاثة أمتار من الساعة المائية الشهيرة، التي تأخذ شكل فيل مهيب، والتي تعود إلى القرن الثالث عشر، وكانت تعتبر من الروائع الفريدة في القرون الوسطى، حيث تضم مجسما لفيل هندي، مجسمات لتنانين صينية، آلية مائية إريقية لقياس الوقت، عنقاء مصرية وروبوتات خشبية في ملابس عربية، وتقوم آلية قياس الزمن المائية على أساس دلو مليء بالماء مختف داخل مجسم الفيل.
ويتوقف الكثيرون من زوار المعرض عند نسخة من خريطة عالم الجغرافيا الشهير الإدريسي،الذي عاش خلال الفترة من 1100 إلى 1166 ميلادي، وأبدع هذه الخريطة في صقلية، وكان ينظر إليها على أنها الوصف الأكثر دقة للعالم في زمانها، وظل الرحالة على امتداد قرون طويلة يستخدمون مستنسخات منها في رحلاتهم، حيث تضمنت وصفا للشمال المسيحي ودار الإسلام وصولا إلى الصين وامتدادا إلى إفريقيا.
أما مجموعة الزهراوي من الأدوات الجراحة فتحظى بحماس وإقبال الكثير من المشاهدين، حيث استخدمها هذا الجراح الذي يعود إلى القرن العاشر في إجراء عمليات جراحية بالغة الدقة في قرطبة، وتركت مؤلفاته بصمة قوية على ممارسة الطب في أوروبا على امتداد قرون طويلة، ومن المدهش حقا أن الكثير من أدواته لا تزال مستخدمة في عالم الجراحة حتى اليوم مع تعديلات طفيفة، ومن أشهر ابتكاراته المحقنة والإبرة والمشرط ومنشار العظام.
ومن المؤكد أن الكثير من رواد المعرض يشعرون بالدهشة وهم يرمقون بنظرات فضولية الكاميرا الأولى من نوعها في العالم، التي ابتكرها ابن الهيثم في مصر، والتي نجح من خلالها في إظهار أن الضوء ينتقل في خطوط مستقيمة من الأجسام ليشكل صورة مقلوبة على قرنية العين البشرية.
