لا تزال مهنة الغوص المهنة الأقرب إلى قلوب الإماراتيين خاصة الشواب منهم، الذين يفتخرون وهم يتذكرون تلك الأيام الخوالي التي قضوا فيها عمرا في جلب اللؤلؤ من قاع البحر، ومنهم من كان يصاب أثناء جلب اللؤلؤ، ومنهم من فقدوا سمعهم بعد امتهان الغوص، إلا أن هذه المهنة الأصيلة الضاربة في التاريخ الإماراتي سجلت لنفسها سطرا مهما في كتاب الإماراتيين.
ففي قرية التراث والغوص وعبر مهرجان دبي للتسوق يستطيع المقيم والزائر لدبي أن يستمتع بزيارة مجانية للماضي الإماراتي العريق، ففي القرية تجد الشواب الذين يجلسون يوميا يحتسون القهوة العربية ذات الرائحة المميزة، ويتجاذبون أطراف الحديث الذي لا ينتهي كل عام عن الإمارات وماضيها، بل وعن الإمارات وحاضرها. يأتي مهرجان دبي كل عام ليجد إمارته الغناء وقد تزينت بالمشاريع الجديدة غير العادية، والتي أصبحت حديث الشواب تارة بالفخر والاعتزاز وتارة بالانبهار والإعجاب.
ففي قرية التراث والغوص يتمتع الزائر برؤية مواقع أثرية على ارض الواقع، ويطلع على ثقافة الإمارات أثناء التجوال وهو أمر مفيد ومهم، ولكن الأهم انه بإمكان الزوار تعلم حرفة او معرفة تفاصيل مهنة أثناء زيارة تلك الأماكن وهو أمر فائق الأهمية والروعة.
صناعة السفن
يؤكد عبدالله سيف أحد زوار قرية الغوص أثناء تواجده أمام صانع السفن الذي يتوسط القرية بأخشابه وأربطته وأشرعته يمارس أمامهم مهنة صناعة السفن، حيث يقوم بجمع عيدان الخشب وجمعها إلى بعضها بعضاً وربطها وشدها بقوة، ويعلمهم مهنة الأجداد التي كانت زادهم الأول في يوم من الأيام. حيث كان يشكل البحر بامتداده الشاسع وحدوده المترامية، التحدي لأبناء الإمارات لارتياد المجهول والكشف عن آفاق جديدة، عن طريق ركوب البحر بسفنهم البسيطة التي كانوا يصنعونها والتي التقوا من خلالها بالحضارات الأخرى واطلعوا عليها.
نشأت صناعة السفن في الإمارات منذ زمن طويل جداً وبدءاً من سفينة بالشاشة الصغيرة التي تصنع من أغصان شجرة النخيل، وتربط بالحبال وانتهاء بالسفن الشراعية الكبيرة التي كانت تجوب المحيطات والبحار ببحارتها البواسل، كانت صناعة السفن تنمو بشكل متسارع حتى ذاع صيت صناعها في منطقة الخليج كافة.
في القديم كانت أخشاب الساج التي تعد أفضل أنواع الخشب لصناعة السفن تجلب من إفريقيا بواسطة تجار متخصصين، وتنقع قطع الساج الكبيرة في مياه البحر ثم تجفف وتعد للقطع بواسطة منشار تقليدي يعمل عليه اثنان من العمال.
أنواع السفن
««البوم» و«الشوعي» و«البقارة» و«الشاحوف» و«السمبوق» كلها أسماء لسفن خشبية تختلف في أحجامها وأشكالها، وكان الصناع المهرة يتفننون في بناء السفن السريعة، ويتسابقون إلى ذلك بأسرارهم التي خبروها في نشر الأخشاب وصفها بطرق دقيقة، فـ «البيص» والذي هو العمود الفقري السفلي للسفينة قد ينشر بطرق مختلفة، لكن الصانع الماهر هو الذي يقرر بطريقته إن «بيص» سفينته سيكون مناسباً لسرعتها بإضافات فنية بسيطة، و«الميل» وهو الخشبة المنحنية إلى أعلى في مقدمة السفينة، سوف تحدد مدى قدرتها على تحمل ضربات الموج.
وقد أطلق الصناع الإماراتيون على جزء صغير وكبير في جسد السفينة أسماء خاصة بها، حدثنا عنها حمد بن خلفان البالغ من العمر 60 عاما بقوله «البومية»، «الشخاصة»، «فنة الصدر»، «فنة التفر»، «الدقل»، «الغمارة»، «السكان»، «الشلامين»، «التريج»، وغيرها هي أسماء مقاطع وألواح مهمة في جسد السفينة.
ويضيف خلفان ان أهم المواد اللازمة للصناعة خشب «الساج» الهندي الذي لا يوجد خشب يفوقه مزايا لصناعة السفن، فهو يستعمل كألواح لهيكل السفينة لما يتحلى به من مقاومة للماء، وكأضلاع داخل هيكل السفينة، ويعد من الخشب المقاوم لعوامل الطقس، كذلك يوجد خشب «اللوريل» الهندي وهو ما يعرف محلياً «بالجنقلي» وهو يستخدم كقاعدة للسفينة، هذا بالإضافة إلى العديد من أنواع الخشب والمواد التي كانت الهند توفرها بسهولة لجميع الموانئ المهتمة بصناعة السفن في الخليج وشبه الجزيرة العربية.
أما المواد الحديدية اللازمة للصناعة كالمسامير وغيرها فكانت تُصنّع يدوياً ولعل ما يثير الدهشة هو كيفية الحصول على الصواري الضخمة وهي عبارة عن جذوع شجرة مستقيمة قد يبلغ طول بعضها 90 قدماً وقطر قاعدته خمسة أقدام، ولكن غابات الهند من كانت تحتوي على مثل هذه الأشجار، وكان النوخذة والتجار من الإمارات يذهبون بأنفسهم إلى الهند لاختيار مثل هذه الصواري التي تعد من أهم القطع على ظهر أية سفينة شراعية.
ولمهنة صناعة السفن ثقافتها الخاصة من خلال الفترة الزمنية التي يتطلبها النحت في الأخشاب وتهيئتها حسب الشكل المطلوب فكان الصانع يردد الأمثال والأبيات الشعرية والأهازيج أثناء عمله، وكونت تلك الثقافة المرتبطة بالمهنة سلوكيات معينة ما زالت تلقى اهتماما كبيرا من أبناء الإمارات رغم قلتها.
تلك الصناعة لم تكن الوحيدة ولا الأخيرة في تراث الإماراتيين الذين باتوا يفتخرون بالماضي على قدر افتخارهم بالحاضر والمستقبل، فتلك الخطوط العريضة التي رسمتها الأيام والسنين على أيدي آبائنا، لم تخل من رفع الرأس وشموخها وهي تنظر إلى اعلى برج خليفة، وعيونهم تتابع من بعد المترو وهو يتهادى بين شوارع دبي بلونه الأزرق لون المياه التي عشقها الإماراتيون منذ القدم.
لم تقتصر فعاليات قرية التراث والغوص على مشاهدة المهن المختلفة وتعلمها عبر الورش المفتوحة بل تتضمن تلك القرية المصنوع اغلبها من العريش المكيف الطبيعي في أيام الحر الشديد قبل زمن ليس بالبعيد.
تتضمن فعاليات قرية التراث والغوص معرض منتجات المؤسسات العقابية التي تضم المندوس المصنوع يدويا، والمشغولات الفنية، وبعض المراكب الخشبية ذات الجودة العالية.
وبين عروض الخيل والتمتع بركوب الجمال والخيول نقطة مشتركة تكمن في فرحة الخيول بذلك العرس السنوي الكبير الذي تنتظره عاما بعد عام، فتلك الخيول الفت وجوه الزوار واستطاعت أن تحذر من يحضر للزيارة لأول مرة ومن يأتي ليعاود إلقاء التحية لمرات.
صناعات يدوية
أما السوق الإماراتي فقد جمع هذا العام عددا كبيرا من المنتجات الإماراتية الأصيلة مثل المكب.. عبارة عن غطاء هرمي يغطى به الطعام، والسرود وهو قطعة حصير مدورة يوضع فوقها الطعام، والجفير وهي سلة يستخدمها الإماراتيون لحمل الأسماك والرطب او أي نوع من الطعام، كما جمعت هذه السوق المنتجات الحديثة التي تعبر عن الهوية الوطنية مثل علم الإمارات والعصا الإماراتية الرفيعة ذات الشكل المميز.
اما النساء فقد احترفن صناعة التلي وهي قطعة مشغولة تخاط بخيوط ذهبية وفضية ملونة تجمع في أشكال فنية جميلة، وتستخدم في تزيين ملابس النساء، فقد انقسمت النسوة الإماراتيات إلى مجموعات منهن من يبرعن في خبز الرقاق، والهريس والثريد والبلاليط واللقيمات، ومنهن من تخلط العطور والكحل وتضعه في عبوات وزجاجات خاصة.
ألعاب
ضمن الأجندة المفتوحة لقرية التراث والغوص الحرف الجبلية والساحلية، والفعاليات المتجولة، والمسرحيات التراثية التي تقام على المسرح المخصص لذلك.
أما الأطفال فلهم نصيب كبير من التراث الإماراتي سواء بالمشاركة في عرض التراث كأبطال او كمتفرجين بصحبة عائلاتهم من مختلف الجنسيات الذين يشرحون لهم بعضا من المعلومات التي يعرفونها عن تراث الإمارات وتاريخ شعبها.
كذلك يستمتع الأطفال بالألعاب التراثية القديمة المصنوعة من النخيل والتي تتميز بقوتها وبتعبيرها عن البيئة الإماراتية القديمة وباهتمام الأسرة الإماراتية بالعاب أبنائها التي ابتكروها بأنفسهم.
لم تغفل قرية التراث والغوص البيئة البدوية من خلال عرس البدو الذي يأتي نسخة مطابقة للواقع، من حيث الطقوس المهمة وحاجيات العروس التي تصطحبها إلى بيت عريسها، كذلك عرس الحضر الذي يوضح الصورة التي تطور بها عرس البدو مع تطور الحياة في الإمارات.
وبين معرض التصوير الفوتوغرافي والاستوديو التراثي قاسم مشترك حيث يعرض الأول أرشيف التاريخ القديم عبر مجموعة من الصور النادرة التي تحكي تاريخ إمارة دبي العريق، أما الثاني فيمكن من خلاله الاحتفاظ بتلك اللحظات التي لا تنسى في مهرجان دبي للتسوق.
دبي ـ شيرين فاروق
