«الرامين» الياباني من جدران المتاحف إلى صفحات الانترنت

«الرامين» الياباني من جدران المتاحف إلى صفحات الانترنت

ربما لم يقدر لطبق تقليدي، في أي مكان من العالم، أن ينال الشهرة المدوية التي نالها طبق الرامين الياباني، المؤلف من المكرونة والحساء واللحم وأعشاب البحر والصلصة، بحيث انتهى المطاف بهذا الطبق التقليدي العتيد إلى أن يقام له متحف، يدور حول أصوله التاريخية التي يعتقد أنها انحدرت من الصين وكوريا، وانتشرت في كل مكان من اليابان.

بحيث يعتقد أن كل ركن من أركان اليابان المترامية الأطراف له نوعية مميزة من أطباق الرامين الخاصة به، ويعتقد أن هناك 4137 مطعما تقدم هذه الوجبة الشهية لعشاقها المتحمسين للإستمتاع بالتهامها، ولكن الأهم من ذلك أن هناك العديد من المواقع على الإنترنت تقدم الرامين وتروج له، وعلى الرغم من أن معظمها باليابانية، إلا أن هناك الكثير منها بمختلف لغات العالم.

ومن أشهر مطاعم الرامين مطعم جانكو، الذي يقع على مسافة قصيرة من جامعة واسيدا في طوكيو، والمدهش أن هذا المطعم البسيط والمتواضع ليست له لافتة تميزه، ولا واجهة تستقطب الأنظار إليه، ولكنك عندما تدلف إلى داخله ستجد خمسة مقاعد عالية مصطفة أمام نضد خشبي متألق بالنظافة، وغير بعيد مطبخ يقف فيه طباخ وحيد ينشغل طوال الوقت بتجهيز الوجبة الساحرة.

وقد بدا أن البخار الكثيف المتصاعد من الحساء يوشك أن يحجب عن نظارته إمكانية الرؤية، لكنه مع ذلك يواصل نشاطه بحماس لا يعرف الانحسار، وهو لا يكاد يلفظ كلمة واحدة، فيما يعكف على ملء الأطباق التقليدية بالحساء البديع والمكرونة المطهية وشرائح اللحم أو الدجاج حسب الطلب ومن ثم أعشاب البحر وبراعم الخيزران المخللة الفاتحة للشهية، ويتوج هذا كله بقطرات من الزيت الحار.

وابتداء من هذه اللحظة لا يسمع في أرجاء المطعم إلا صوت واحد، هو صوت الزبائن وهم يحتسون الحساء، ويلتهمون اللحم، ويأتون على كل محتويات الطبق العتيد وصولا إلى قطرات الحساء الأخيرة، وهم لا يتركون هذه القطرات بالطبع، لأنها من حقهم أولا، وثانيا لأن تركها مناف لقواعد الذوق والمجاملة للطاهي في اليابان، ومن ثم يعيد كل زبون طبقه الفارغ إلى النضد وهو يهمس محييا الطاهي: «جوشيسو ساما ديشتا»، وهو ما يعني باليابانية «شكرا على الوجبة»، ويبادر إلى دفع ثمن الوجبة، وهو في حدود 700 ين، أي ما يعادل 85. 7 دولارات، وينطلق عائدا إلى أجواء المدينة الصاخبة.

هنا لابد من ملاحظة أن الرامين الذي يعد في هذه المطاعم الصغيرة هو شيء مختلف تماما عن الرامين المجفف الذي تجده داخل اليابان وخارجها، فالمسألة هي هذه المواد الطازجة المعدة ببراعة ووسط أجواء هي أقرب إلى الطقوس الإجتماعية منها إلى أي شيء آخر.

ويلاحظ أنه في جزيرة هونشو، كبرى جزر الأرخبيل الياباني، يشيع الرامين المعد بالجاج، بينما في جزيرة كيوشو اليابانية ينتشر الرامين المعد بلحم الخنزير وعظامه، أما في سابورو في شمال اليابان فهم يفضلون الرامين الغني بالثوم والحساء الدهني الممزوج بصلصة الصويا الكثيفة.

وفي متحف الرامين المشيد على غرار مباني الثلاثينات من القرن الماضي، يمكنك القيام بجولة ممتعة لمتابعة الرامين في رحلته الممتدة منذ دخوله إلى اليابان قادما من الصين، وصولا إلى مرحلة الستينات من القرن الماضي، حيث اكتسب الطعام الصيني طابعا صناعيا، وأصبح الرامين بمثابة جسر للعبور إلى الزمن القديم والحياة البسيطة، وفي الثمانينات وربما امتداد حتى اليوم شكل التهام الرامين تجربة مختلفة وجميلة بالنسبة لأجيال متتابعة من الشباب الياباني.

قسم الترجمة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات